آفة الطلاق في العالم العربي

171

للأسف الشديد، بلغ الطلاق في العالم العربي نسب مهولة للغاية. هذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على آفة التشتت الأُسَري الذي يعيشه المجتمع العربي في صمت! ولهذه الآفة الخطيرة أسبابها التي وجب إدراكها أولا، ثم معالجتها قدر الإمكان. يجب أولا الإشارة إلى نقطة مهمة: الطلاق نوعان -إن صح التعبير-: هناك طلاق معقول بأسباب موضوعية (كاختلافات كبرى، أمور قاهرة…)، وهناك الطلاق غير المنطقي والمتسرع، الذي يقع في الأشهر أو السنوات الأولى من الزواج، من دون أسباب حقيقية، وهي التي تشكل أكبر نسبة في المجتمع! هذه النسبة هي الفئة المستهدفة من هذا المقال.

تحليل موضوعي للحب ولمشروع الزواج
أول مفهوم خاطئ جدير بالذكر، هو تغيير مفهوم الحب الخالص الطاهر بين الزوجين إلى الحب النمطي المستهلك في المجتمعات الغربية، وعبر المسلسلات والأفلام وقصص الحب المفبركة؛ حيث أصبحت المجتمعات العربية المسلمة عرضة لهذا الهجوم الفكري، من دون أية مقاومة لأولياء الأمور، بل حتى أرباب الأسر لم يسلموا من هذا الغزو، فكيف بالشباب المقبل على الزواج؟ وبالتالي، تأثرَ شباب الأمة مع الأسف بالشخصية المعاصرة، التي فيها جانب اللذة متضخم وعتبة التحمل جد ضعيفة. فيفر المرء من المسؤولية ويميل لكل شهوة سهلة المنال، كما أن الإنسان بطبعه يبخس ما يملك، ويميل لما لا يملك.
أما عن الحب من الناحية العلمية، فقد أكدت دراسات من جامعة جرونينجن في هولندا، أن الحب من النظرة الأولى(love at first sight) لا أساس له من الصحة، بل يعتبر ذلك انجذابا جسديا قويا، وليس إحساسا عاطفيا! يقول المحاضر الشهير سيمون سينك البريطاني عن الحب في إحدى محاضراته: متى أحببت زوجتك؟ أخبرني باليوم المحدد؟ لن تجد الإجابة، لأنك أحببتها مع المدة، بعد كل يوم من العطاء.. لقد أحبّتْك زوجتك لأنك حين تقوم في الصباح تقول لها صباح الخير، قبل أن تمسك هاتفك. أحبتك لأنك عندما ترجع للبيت، تنصت لما تقوله لك عن يومها الصعب في العمل. أحبتك لأنك حين ترجع من المطبخ، تحضر لها هي أيضا كأسا من الماء.. هو تراكم لتعامل يومي، فأصبحَت في يوم من الأيام، تدرك أنها تحبك!

أسباب المشاكل الزوجية
هناك العديد من الأزواج الذين يتذمرّون من حياتهم الزوجية ومن اختيارهم “هل كان صائبا أم لا؟”، فينسى الإنسان أمرا جوهريا للغاية: أن الزوج يدخل في إطار الرزق الشامل من عند الرزاق الحكيم! فلعلك تنعم بأرزاق أخرى عديدة، كالمال والعمل والقبول والصحة الجيدة والأخلاق الحميدة والذرية الصالحة ذات الخِلقة السوية وغيرها، لكنك تركز فقط على زوجك الذي لا ترضى به. فلو أعدت النظر إلى حياتك إجمالا، لاتضحت لك البصيرة ولرضيت بكل تلك النعم إجمالا، من عنده سبحانه وتعالى.

كما أن الطلاق يعتبر نتيجة تراكم الذكريات السيئة، فيطفح الكيل في يوم من الأيام، لمجرد سبب بسيط كان بمثابة القطرة الأخيرة. كما أن من بين الأسباب الأكثر خطورة على العلاقات الزوجية: المقارنة وسهولة التواصل مع الجنس الآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير. مع الأسف الشديد، الأغلبية الساحقة لا تُجيد حُسن استعمال هذه المواقع -سواء من أجل المعرفة، أو التواصل البنّاء، أو تطوير المهارات، أو تنسيق المشاريع..- فتجد الآباء يتجولون في حسابات الفتيات، وأخريات يراسِلن بالليل أزواجا على الخاص، ومآرب أخرى لا يليق سردها.. وكل هذه الأعراض تتمحور فقط على الشهوة! فإن لم يكن المرء يحسن استخدام هذه المواقع، فمن الأفضل حذفها تماما لأنها فعلا من الأسباب الرئيسية للطلاق.

من أفضل ما تعلمت عن شهوة النساء، قصة زوجة الأمير يوسف بن تاشفين، واسمها زينب النفزاوية. يحكي المفكر القدير المقرئ أبو زيد في إحدى محاضراته أنه جيء بأحد الخدم، كان في مجلس مع أصحابه فتمنى أن يموت الملك ويتزوج زوجته زينب، وهي التي كانت غاية في الجمال والحكمة. فرد عليه الملك بالعبارة التالية: “يا أحمق، ما حملك على ما قلت؟”

ثم أخذه فدفعه إليها! هذا لأنه علم أنها هي المعنية بالأمر، كما أنه يثق بها.

فأخذته وحبسته في خيمة، وأطعمته ثلاثة أيام طعاما واحدا! ثم دخلت عليه.

مقالات مرتبطة

فقالت ماذا أكلت؟ قال أكلت طعاما واحدا. فقالت: والنساء طعام واحد!
أي أن النساء، كلهن على حد سواء في الشهوة! لهذا، فمن دخل في زيجة يبتغي الجمال والجسد، فهما زائلان مع الزمن، وإنما يبقى ويزدهر العقل والروح الطيبة والفكر والأخلاق..

من الأسباب أيضا: الأنا عند الخلاف ومحاولة هزيمة الطرف الآخر. يقول الكاتب الألماني إيكهارت تول في كتابه الرائع “the power of now”: عندما تكون في خلاف مع الطرف الآخر، استشعر دفاعك لموقفك وهجومك للموقف الآخر. أَدرِك تعلُّقك بموقفك والطاقة الذهنية وراء ذلك، فقط لتبرهن أن الرأي الآخر على خطأ. ذلك كله من طرف الأنا التي بداخلنا، وليس شخصيتنا الحقيقية.” لذا، عند وقوع الخلافات، وجب التفرقة بين الشخص الذي نحب وبين الأنا المغايرة تماما التي أمامنا، وعدم إصدار أحكام خاطئة عن الزوج حينها. فإذا توترت الأوضاع، من الأفضل تأجيل النقاش لحين آخر. كما أن الرجل لا يُقدّر الحالة النفسية للمرأة عند “دورتها الشهرية”، فالكثير من النساء يتغير مزاجهن ويصبحن أكثر حساسية، وعلى الرجل أن يتفهّم حالتها أثناء هذه الفترة.

بعد التطرق إلى بعض الأسباب الرئيسية للمشاكل الزوجية، هذه مجموعة من التدابير الإيجابية لإنعاش الحياة الزوجية و توطيد العلاقة بين الزوجين:

  • مع وقوع الخلاف، يجب الالتزام بالواجبات الأسرية كما العادة. هذا الأمر يساعد على رجوع المياه لمجاريها بطريقة أفضل.
  • العمل بحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((تهادوا تحابوا)). فالهدية سلاح المودة ومفتاح من مفاتيح القلوب. ما أجمل أن تفاجئ زوجك بهدية غير متوقعة. ستتفاجأ أيها القارئ بوقعها على زوجك!
  • الخرجات والسفر بين الزوجين بدون أطفال من حين لآخر، تعيد إشعال فتيل الحب والمودة، وتخرج العلاقة من رتابة الحياة اليومية.
  • عدم المقارنة مع زيجات أخرى بأي شكل من الأشكال؛ لأن تلك المقارنة تكون غير صحيحة تماما وغالبا ما تكون أثناء الخلافات. فلكل زوج (الرجل والمرأة) مميزاته الخاصة، نقاط قوته ونقاط ضعفه.
  • تحديد أهداف وبرامج مشتركة بين الزوجين (مجلس معين، دراسة مشتركة، عمل خيري، مشروع عمل..)
  • إنشاء ذكريات إيجابية جميلة بين الزوجين. يمكن أن يكون مكانا أو مدينة معينة، أو نوع من العطور، أو أغنية رومانسية، أو شوكولاتة مفضلة.. أي شيء يمكن اعتباره رابطا يُرجع أحاسيسا جميلة عند استحضاره.
  • الحوار البنّاء بين الزوجين في إطار من الاحترام، بدون إلقاء اللوم أو العتاب. يتم طرح الأمور السلبية التي يجدها أحد الطرفين عند الآخر، وإيجاد حلول عملية يلتزم بها الزوجين لحل نقاط الاختلاف.
  • تحديد الزوجين منذ البداية، شخص معين (أو شخصين) يكون عاقلا حكيما أمينا، يحتكمان إليه عند المشاكل الكبرى.-غض الطرف وتجاوز بعض سلبيات الزوج، فبعض الأمور لا تستحق الوقوف عندها والتشاجر من أجلها.

هذه التدوينة هي لكل من سيقبل على الزواج، أن ينظر إلى زوجه المستقبلي بشمولية أكبر وبمنظور أدق، وكذلك لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الزواج. هو أيضا لكل من على وشك الطلاق، أن يراجع قراره وأن لا يتسرع بقرار طائش، وحتى لكل من تسرّع وقام بالطلاق، أن يتذكر كل تفاصيل حياته مع زوجه السابق، ويقوم بتحليل موضوعي: هل القرار كان صائبا أم خطأ لعله يسترجع زوجه ويصلح ما قد تم هدمه سابقا.

إن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، يباهي بِنَا الرسل غدا يوم القيامة بكثرتنا، فلا يحق لنا أن نكون على هذا الوضع المأساوي من نسب الطلاق، بينما الأجدر بنا أن نكون الأمّة الأكثر نسلا، بذرية صالحة قوية سويّة، وذاك هو الهدف الأسمى من الزواج الصحيح.