أحلامُنا… الواقع منها والمأمول!

يعيش بعضنا في حالة تيه وفقدان للاتجاهات الصحيحة في الحياة، غير مستشعر الغايات النهائية والمعاني الحقيقية لوجوده؛ حيث أصيب الإنسان بنوع من التطبيع والانسياق مع كل ما هو لاإنساني ولاأخلاقي، بشكل حاد به عن كل المفاهيم الحضارية، وجعله ذلك في صراع شبه دائم مع نفسه ومع الكون المحيط به، فأين أنت وأين أنا من “إنسان المعنى” الذي يحيا في انسجام مع ذاته ومع ما يحيط به.

هل نحن مجبرون على المضي قدما في الحياة ومجاراة أمورها، واستكمال أشواط كثيرة كأن كل شيء على ما يرام؟! لا يتأهب لذلك إلا الإنسان الذي هو بلا معنى، أما نحن فلا نظن ذلك، لأن شعور “العجز” مؤلم، مؤلم للغاية يا صديقي، يجعلك تلعن نفسك في اليوم مائة مرة وتود الموت مئات المرات، فلكن ليس هذا هو المؤلم، بل الأكثر إيلاما وإهلاكا لأرواحنا أن حياتنا كلها صارت مسرحية هزلية كاذبة، لدرجة أنه لم يعد يناسبها إلا أحلام واهنة، وتلك لا يخلو أحدنا من واحد منها، ولا يصلح ذلك كله إلا لبراءة الطفولة، تخيَّل!

إن هذا الصغير الذي حلم بأن يصبح ضابطا يجعل الناس تنام في أمن وآمان، ثم كبر وأصبح، وسرعان ما خلا واقعه من حلمه، وهذا الذي كان يحلم بأن يصبح طبيبا، ينقذ عشرات الأرواح في اليوم الواحد، ولم يجد حوله ما يسعفه لذلك. وهذا الذي كان يحلم بأن يصبح معلما ووريث الأنبياء، تتلمذ على يديه الأجيال، ود لو يصبح وسطهم، فيخلق من كل منهم أبا روحيا لو أقروا أن يصبحوا مكانه، لا يجد الطلاب في أنفسهم وحشة؛ مخافة من علم يحبونه يلقنونهم إياه، وجد نفسه يذبح أجرُه أسرَّهم. أكثر من ذلك، أن تلك الأحلام تقتاد إلى أحلام أخرى باطلة تسودها المطامع؛ يجري الضابط ليجمع الرُتب في أقل وقت ممكن، بأي طريقة كانت حتى يلاشي المطمعُ الحلمَ الحقيقي، فأصبحت القوانين شرائح سياسية وضعت لحماية الحكومات لا لحفظ الآداب كما تصورتها براءة الطفولة، وهذا نفسه الذي يحدث معه عندما يصير طبيبا، فوجد نفسه في دولة نامية، وجد نفسه تحت وزارة لو صح أن نعيد النظر في تسميتها لتكون وزارة سكان بلا صحة، لا تقوى إمكاناتُها على شعبها، تخلو من كل جديد، وبالكاد يمارس فيها الطبيب الحسَّ بالجَس، يترك بلده ويترك حلم طفولته، فلا فائدة في بلد لا توجد به السماعة التي رسمها في كراسته في حصة الرسم، فمع الكرامات والشهادات والمؤتمرات ندفن، حتى يصير بهذا كشجرة طويلة عنان السماء في ملتقى الطريق، تثمر ولكنها لا تصبِّر من جوع، والناس في ظلها ودوا لو يستظلون. مهما كان حجم المعاناة، ومهما كانت الحروب والممارسات التي مورست ضدنا، ووقفت في طريق أحلامنا الوردية التي رسمتها براءة الطفولة، فلم تكن تعرف أن الضابط رتبة أقل بكثير من اللواء. هذا هو نفسه الحال في صديقنا المعلم الذي لم تكتمل حاجته، فانحرفت وجهته، والحقيقة أنه لا تزال الأخلاق بخير حتى يخذلها الضمير، ويتخلى عنها وتتولى قيادتها الظروف، والعادات، والقواعد والأنظمة، حتى يلقى الحلم حتفه ويصير هلاكا.

الجانب الآخر، وهو السحب السوداء التي تحجب صفحة السماء، التقاليد ونتاج التعاليم، التي يكره عليها جيل بعد جيل، وتكره عليها أحلامنا، وتفسد على حياتنا معانيها وتنتزع ملامحها، حتى يصبح شخصك في معترك مع الحياة، تسير ببطاقة خالية من الهوية. تلك التقاليد ونتاج التعاليم التي يُكرِه عليها الٱباء أبناءهم، حتى صارت الأحلام والطموحات والأماني أمانيهم فينا، تلك الحياة التي نحرم القلم والرأي، لنُكرَّه على قلم دون القلم ووجهة دون الوجهة، نسلب ما يستطيع أن يفيض برغباتنا الناتجة من نبتة أحلامنا التي زرعتها الطفولة، لنعطى القلم الذي يفيض من أجل الصورة العامة لدى الناس، يصير الحلم فيما يراه الناس عليك من عظيم شأنك بعد مسارك التعليمي وتخرجك، حتى لو كانت المؤشرات تفيد بأن عظيم شأنك لن يكون في هذه الوجهة، بل كان نحو وجهة أخرى، ونحو بوصلة أحلامنا نحن. ربما مع الوقت يستطيع أحدنا بإمساك هذا القلم، وسلك وجهة الٱباء والمجتمع، فتصير تلك بوصلته وينجح، وربما آخر يتمسك بقلمه هو، ويسلك وجهته مع كل يوم هو يعيشه لينمو به، فينجح أيضا. وكثيرون يعيشون في حالة تيه وفقدان للاتجاهات الصحيحة، أو المقارِبة لأن تتماشى مع ميولهم وأحلام طفولتهم، وهؤلاء يمر بهم الزمن ويمررهم.

لو وضعنا كل تلك الاحتمالات لأحلامنا البسيطة، وعلمنا أن الواقع ضروري ألا يتوافق معها، أعتقد أن براءة طفولتنا كانت سيكون لها رأي آخر في ذلك، لتسألنا مثلا؛ كيف سنعيش وسط كل هذا العته ونخرج منه أسوياء!

ماذا لو علم في طفولته أو مع كل يوم هو ينمو فيه أن الناس حوله غافلون بطبيعتهم عما يهددهم من مصائب هذه الحياة وأرزائها!

عزيزي الذي قضيت نصف حلمك، قف عنه، وببساطة قم، لا تكمل النصف الآخر منه؛ فتخدع عقلك، وتخدش لاحقا ضميرك ومبادءك، وترهق قلبك وروحك فتستنزف ما فيهما من أمنيات تتجدد مع مرور الساعات والدقائق حول أحلام واهنة؛ فأحلامنا التي حلمنا وإن تحصَّلنا عليها فقد لا نحصل بَعد على شيء من واقعها، وتأكد تماما أن حلمك إذا لم تمسه الغرابة عن الواقع الذي يعيشه المجتمع، فهو حلم لن يحس، مع أنه متماشيا مع الواقع، فاحفظ مبادئك إذن، واستبقْ طفولتك!

لا تكن مدعيا أنك قد حققت حلما ما دون أن تتأكد من أن هويته لمستها الغرابة عن هذا الواقع المرير، وتماشيا مع غرابته وصارا مزيجا مرضيا لك ولائقا بما كنت قد حلمت، وإلا فلا تحلم دون أن تضع احتمال خلو الواقعية منه، وحبذا أيضا لو أنك وضعت تلك الاحتمالات الأخرى، التي قد تسوقه وتتحكم في شكله مستقبلا، وقتها يسرني أن أبشرك، ها أنت قد تنبأت بذلك وهاهنا قد حان دورك.

أيها الشباب الذي ودع طفولته، لن تقفزوا المعترك بأحلامكم دون أن تقابلكم مجريات الحياة، وإذا أردتم أن تقفزوه اعلموا أن سبب نجاح أي إنسان هو أنه يستبقي جزءًا من طفولته، فتمسكوا ببراءتكم، ولا تعتقدوا أن الحياة أكثر شطارة منكم، رغم أسلحتها وقواعدها، استبقوا طفولتكم حتى المشيب!

أيها الشباب، لا ترموا بصركم نحو وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات، أو الناس المؤثرين والناجحين، لا تندمجوا معهم ولا تعرفوا كيف وصلوا، ولا تقرأوا كتبهم، فلكل مقوماته وإمكاناته وواقعه، وكذلك تنازلاته أيما كانت، فبأي حال من الأحوال لن تستطيع أن تسير خلفه، أو على دربه، أو أن ترتدي سترته؛ إذن لن تفيدك تجربته ولن تضيف لك شيئا، فلا تفرحوا بوصولهم ولا تحزنوا، لا تهونوا تجاربهم ولا تستحيلوها، لا تهتموا لسقوطهم، لا تتخذوهم قبلة لأحلامكم؛ فتجعلوا طموحاتكم وأهدافكم سلعة تستخدم لاستنزافكم ماديا ومعنويا، لا تدعوهم يتاجرون بحلمكم، فقط…كل ما عليك أن ترهن نجاحك على المدى البعيد بواقعك، ونجاحك فيه، وتغلبك على عقباته وصعابه. فالخطوات العظيمة كفيلة أن تصنع تسلق عظيم دونا عن قفزات القرود والنسانيس العشوائية.