أزمة التعليم في المغرب، موقع المجتمع المدني من الإصلاح؟

يشكل التعليم بالمغرب أحد اهتماماتي الأساسية وأحد المواضيع اليومية التي تحظى بحصة الأسد من وقتي بحوالي 70 بالمائة، ذلك أني أولا مهتم بالموضوع اهتماما بالغا ثم لأني أشتغل في مجال السياسات العمومية للتعليم.
اكتشفت خلال تنقلاتي الكثيرة في إطار العمل الجمعوي مسألة مهمة وشيء ما غريبة وحاولت أن أجد لها أسبابا مقنعة وهي أن الأغلبية المطلقة للفاعلين الجمعويين الذين التقيت بهم وهم كثر والذين يعنون بالمجال التعليمي ليست لديهم فكرة واضحة حول السياسات العمومية في هذا المجال. فقلت في نفسي كيف يعقل أن يهتم إنسان بمجال ما في بلده بمنأى عما يحدث حوله من قوانين و إصلاحات أو حتى المؤسسات العمومية و غير العمومية التي تشتغل في نفس الميدان على الأقل من باب الاطلاع لصلتها الحثيثة بالمجال الذي اختار أن يشتغل عليه من جهة, و من جهة أخرى أن يطلع على ما يقوم به الاخرون. فعلى الأقل سينقص ذلك عليه بعض الجهد الذي يقوم به ربما من الناحية العملية وكذلك من الناحية القانونية.

التعليم بالمغرب أيها الأعزة مر خلال العشرين سنة الماضية من مراحل متعددة وسأذكر لكم أبرزها وبالضبط منذ سنة 1999 حيث وكل في هذه السنة لخبراء مغاربة وممثلون عن هيئات سياسية وإدارية وحكومية ونقابية إضافة الى أطياف أخرى أمر القيام بدراسة لإصلاح نظام التعليم ببلادنا وكانت النتيجة عبارة عما يسمى الميثاق الوطني للتربية والتكوين وهي وثيقة ذات قيمة عالية تصف الوضع التعليمي آنذاك بالمغرب والحلول الاستراتيجية التي التزمت الوزارة بتبنيها وتنفيذها.
الا أنه وقع ما لم يكن منتظرا وهو عدم تطبيق فحوى تلك الوثيقة المرجعية للإصلاح تطبيقا شاملا مما أدى الى فشل الإصلاح الشامل لأسباب متعددة أذكر لكم أهمها. أولا عدم وجود الموارد المالية اللازمة لأن لكل شيء ثمن والثاني يكمن في عدم توفر خارطة طريق واضحة ومكتوبة لتنزيل الإصلاح، مع أن كلمة تنزيل هنا في غير محلها وسأبين الأمر لاحقا.
يجدر بالذكر أن المغرب حقق رغم هذا كله مكتسبات مهمة وكبيرة أهمها تعميم التعليم حيث كان شعار المرحلة: المدرسة للجميع.
بحلول سنة 2009 استطاعت الحكومة المغربية توفير وجلب التمويل اللازم لتنفيذ الإصلاح بتمويلات أجنبية في غالبها وذاتية كذلك فانطلق مشروع الإصلاح وضخت الأموال في المؤسسات التعليمية وبدئ تنفيذ المشاريع حيث بدأت ملامح الإنجازات تتحقق لكن مع الأسف مع تغييب تام لمسألتين رئيسيتين وهما الحكامة وانعدام تواجد خطة طريق واضحة عند الجميع. فأما غياب الحكامة فتجلت في مسألة تحميل المسؤولين البيداغوجيين ما لا طاقة لهم به حيث وجدو أنفسهم بين عشية وضحاها مسؤولين عن تشييد البنايات والإصلاحات البنيوية وتسيير الميزانيات وهم الذين كانوا بالأمس يتعاملون مع الأمور البيداغوجية مع المدرسين والتلاميذ دون تلقي أي تكوين في إدارة المشاريع فلم تستهلك الأموال وأرجعت الى الخزينة. أما بالنسبة لخارطة الطريق، فجدير بالذكر أن المسؤولين قاموا بدراسة معمقة للأمور اللازمة ووضعوا تصورا لما يريدون الوصول اليه لكن دون وضع اليات للعمل مقتبسة من إدارة المشاريع من جهة ، إضافة الى أنهم لم يركزوا على العنصر البشري في تصورهم.

مقالات مرتبطة


تزامن الأمر مع ما يسمى الربيع الديموقراطي ومع تصاعد الاحتجاجات والإضرابات تعذر على المسؤولين متابعة العمل وجاء مسؤول جديد فخلص الى وجوب إيقاف المشاريع القائمة استنادا الى تقييمات قام بها خبراء.
كانت هناك فترة فراغ إصلاحي استراتيجي بين 2012 و 2014 الى أن أنشئ المجلس الأعلى للتعليم في صيغته الجديدة و قام هذا المجلس الذي يضم خيرة خبراء المغرب في مجالي التربية و التعليم بإصدار الرؤيا الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 و هي في نظري رؤيا ذات جودة عالية و تحقيق أهدافها و روافعها يستطيع رفع المغرب الى مصاف الدول المتقدمة في مجال التعليم لكن يبقى سؤال كيف السبيل الى ذلك دائما مطروحا.
هناك جوابان على هذا السؤال المحوري، الأول تسييري و حكاماتي و الثاني اجتماعي و هنا أرجع الى عنوان المقال و هو كيف يمكن للمجتمع المدني، أي أنا و أنت و أنت و هو و هي، بغض النظر عن وظائفنا و مجالات اشتغالنا أن نساعد و نساهم في تفعيل (و ليس تنزيل) الرؤيا الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030؟


أرجع هنا الى سؤالي الأول، كيف يمكن لفاعل جمعوي أن يلعب دورا في اصلاح مجال دون الاطلاع على فحواه؟ سأتوقف للإجابة على هذا السؤال لكي اعطي شبه وصفة قابلة للتعديل والتجويد ولنقل إنها البداية (نقطتين)
أولا- على المهتم بالمجال و الذي يريد أن يعطي شيئا فيه أن يطلع على الأقل على الرؤيا الاستراتيجية التي ذكرت و متابعة ما تقوم به المؤسسات الوصية على المجال
ثانيا- على المهتم أن ينضم الى جمعية تعنى بهذا المجال
ثالثا- أن يجمع حوله شرفاء غيورين على هذا الوطن و أن يتابعوا شأن التعليم بطريقة علمية استنادا الى التقارير الوطنية خصوصا و عدم الالتفات للصحافة الصفراء و صفحات التواصل الاجتماعي غير المتخصصة
رابعا- أن يتفاعلوا بطريقة إيجابية و نقدية بناءة مع ما تقوم به الجهات الرسمية و التموقع أساسا في التوعية و التحسيس لأن أغلب المواطنين ليسوا على علم بما يجري في هذا المجال.
خامسا- اذا تحقق شرط توفر اختصاصيين في الجمعية التي ينتمي اليها الراغب في العمل في هذا المجال, فعلى هاته الجمعية أن تجمع حولها المزيد من الخبراء لتكوين المنخرطين و المتعاطفين قصد تكوين شبكة من المؤهلين قصد القيام بتتبع السياسة العمومية و اصدار تقارير دورية لتقييم ما يقع في هذا المجال. ولن تكون هذه التقارير ذات فائدة وتصل الى من يهمه الأمر الا إذا كانت ذات جودة عالية ومصداقية علمية نزيهة ومحايدة بعيدا على المزايدات والانتماءات الحزبية والنقابية أو موالات للجهات الرسمية.
سادسا- و هنا أذكر نقطة قريبة الى قلبي و هي العمل على إعادة القيمة المعنوية و الهيبة و الاحترام لمهنة التدريس حيث قال الشاعر “قم للمعلم وفه التبجيل كاد المعلم أن يكون رسولا”
لا أريد أن أدخل في نقاش قائم في المجتمع حول المعلم وهل يقوم بدوره أم لا، أنا هنا فقط أقول أن الخلل موجود و عدم التوازن عموما هو ما أدى الى ما وصل اليه تعليمنا اليوم و ليس الوقت الآن نهائيا مناسب للدخول في نقاش من سبق هل الدجاجة أم البيضة. دور المعلم اليوم في نظري أهم من دور الوزير والمدير والطبيب والمهندس لأنه وببساطة ان لم يتوفر عندنا معلم جيد ومقدر ومقتدر ومتحمس ومرتاح فلن تقوم لنا قائمة ولن يكون لدينا الوزيرالكفئ والمدير المتميز والتقني والإداري والخدماتي المتفان.
ذكرت فيما قبل أن الإصلاح لا يتم تنزيله وأود هنا أن أشير الى أن الإصلاح يتم تطبيقه لأن في الأمر إشارة الى أن التنزيل عملية أحادية البعد من الأعلى الى الأسفل بينما ما نحتاجه اليوم هو التطبيق
« mise en œuvre »
وهو أمر ذو طبيعة تشاركية فيه ما هو من الأعلى الى الأسفل نسبة الى المؤسسة المعنية من جهة ورجال ونساء التعليم من جهة أخرى. وفيه ما هو من الأسفل الى الأعلى أي أن قوة الاقتراح والتفاعلية والملاحظة والتقويم والتقييم لديها حظ من التطبيق والانجاح، ومنها ما هو أفقي تتساوى فيه المؤسسات الرسمية بالمؤسسات غير الرسمية
« ONG »
أو ما يصطلح عليه المجتمع المدني. أقصد بهذا الكلام أنه لا يمكن إنجاح اصلاح المجال التعليمي ذي الطبيعة الاجتماعية دون اشتراك و اشراك الموارد البشرية المختصة داخل المنظومة من جهة، و دون اشتراك المجتمع المدني من جهة أخرى و على الجميع تحمل مسؤوليته و أن يكون الكل عند الموعد..
وأختم هنا ببيت شعري لأحمد شوقي يقول فيه
أعلمت أشرف أو أجل من الذي *** يبني وينشئ أنفسا وعقولا
فلك كل الشرف يا من يريد أن يساعد على ارتقاء التعليم بالمغرب.