أين المفر؟

بدأت الأسابيع تمضي رويدا رويدا، وبدأنا نتكيف مع الوضع الجديد تدريجيا، وأصبح استيعابنا للوضعية الحالية التي نمر منها يزداد أسبوعا بعد آخر. قدرة الكائن البشري على التكيف تنقذه في الكثير من الحالات الحرجة، وتجعله ينجح في البقاء والاستمرار. فمهما واجه من الصعوبات فإنه ينجح في النهاية في التكيف معها، وهذه حقيقة تعلمنا الكثير حول سلوكات البشر. لماذا يقبل بعض الناس التعايش مع أوضاع مأساوية وكأنها أوضاع طبيعية، ويعيشون حياتهم بشكل عادٍ، وكأن الأمور بخير؟ يكمن الجواب في أنهم تكيفوا مع وضعهم واعتادوه. وهو أمر شاذ في نظرنا لأننا لم نوضع فيه، ولم نواجهه ولم نضطر لعيش حياتنا فيه. هل كنا نتخيل أن تصير حياتنا هكذا من قبل، جامدة من دون حركة؟ هل كنا نظن أن بإمكاننا ملازمة البيوت هذه المدة كلها دون خروج منها إلا للضرورة القصوى؟ الكثير منا اليوم يفعل ذلك، ونحن نستنكر على من يرفضون الامتثال لإجراء الحجر الصحي، ويتسكعون في الشوارع من غير حاجة، ونصفهم بقلة الوعي وانعدام الضمير وفقدان حس المسؤولية. هؤلاء لم يستوعبوا بعدُ ما نمر به، ولأنهم لم يستوعبوه لا يشعرون بجدوى التكيف معه. يشق على المرء أن يفعل شيئا لا يستشعر أهميته وجدواه، فضلا عن ضرورته.

شخصيا، أخذ الأمر مني أسبوعا أو أسبوعين حتى بدأت أستوعب ما يمر به بلدي. إعلان حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي مبكرا، ثم الحملة الكبيرة التي قامت بها السلطات الأمنية ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني للتحسيس والتوعية بأخطار هذا الوباء، كل ذلك كان مفاجئا لي. لا شك أن هذا الوضع كان جديدا علينا: أن تجلس في المنزل تتابع أخبار العالم. وأية أخبار؟ إنها أخبار الجائحة فقط، تحصي عدد الإصابات في هذه الدولة أو تلك، وعدد الوفيات وعدد حالات التعافي، تحلل النسب المئوية، والأخبار المثيرة للجدل حول بعض الأدوية، والمبادرات لإيجاد لقاح فعّال ضد الوباء، تتابع التهم السياسية التي تتبادلها الولايات المتحدة والصين، ومعها تحليلات الناس حولها. وفي ظل هذا السياق، وخاصة بعد ارتفاع عدد حالات الوفيات، سيغدو التفكير في موضوع الموت أمرا جديا، يهمك بشكل شخصي وعاجل.

ومن الواضح أن كون الموت قضية شخصية لكل واحد منا ليس بأمر مستجد، لأنه كان كذلك قبل الجائحة، وهو كذلك معها، وسيظل كذلك بعدها. إلا أننا في العادة نؤجل التفكير فيه، لتوهُّمنا أنه ما يزال بعيدا عنا، وأننا لا زلنا سنعيش عمرا مديدا. لكنه اليوم قد صار أقرب إلينا، وسنضطر إلى التعامل معه بالجدية اللازمة.

التفكير في الطريقة التي قد تنتهي بها حياة المرء أمر مربك للغاية. ماذا لو أصابني هذا الوباء، وصادف ضعفا في مناعتي؟ يصعب علي أن أتخيلني أحتضر وأنا دون سن الأربعين. ويصعب علي أكثر أن أتخيلني في أخريات أيامي في هذه الدنيا على سرير الإنعاش، تحت رحمة جهاز تنفس صناعي، ووسط كومة من الأنابيب المزروعة في عروقي، وكذا الأسلاك التي تقيس الضغط ونبضات القلب ونسبة الأكسجين في الدم. يصعب على المرء أن يتخيل ذلك، خاصة حين يكون طبيبا يرى الناس كل يوم في ذلك الموقف. كنت أخاف من ظروف الاحتضار والمعاناة التي تسبق الموت، أكثر من خوفي من الموت نفسه. وقد كان من الأدعية المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستعيذ بالله من أرذل العمُر ومن سوء الكبَر.

لو كان للمرء أن يختار كيف يموت، لا أحد كان سيختار الموت اختناقا، بسبب قصور في جهازه التنفسي فوق سرير في مصلحة الإنعاش. ولكنه وللأسف الشديد هو شيء شائع جدا؛ فثلث المرضى في المستشفيات تموت في مصالح العناية المركزة بعد صراع طويل ومؤلم مع المرض. ولذلك لا يمكن للمرء أن يستبعد إمكان أن يجد نفسه يوما ما يواجه هذا المصير، إن لم يكن في ظل هذه الأجواء التي ينتشر فيها الوباء الجديد، فربما بعد خمس سنوات، أو عشرٍ أو عشرين أو حتى ثلاثين سنة ! هل يكون الطمع في عيش ثلاثين سنة إضافية، هو ما يجعلني أخاف من الموت الآن؟ لعله كذلك، لكن ما هي الأهداف التي يمكنها أن تجعلني أتشبث بالحياة في هذه السنوات؟ ما هي الأشياء التي أريد أن أقوم بها قبل الممات؟ ما أهمية هذه الأشياء التي بإمكانها أن تجعلني أخاف الموت وأحرص على الحياة؟ ما الفرق الذي ستحدثه لو أنني حققتها فعلا؟ لا يبدو أن هناك أجوبة على هذه الأسئلة، على الأقل إلى حدود كتابة هذه الأسطر. وربما من غير الممكن أصلا أن يصل إلى إجابات قطعية لهذه الأسئلة.

إن هذه الجائحة قد فتكت إلى حد الآن بأرواح مئات الآلاف في العالم، وهي أرقام تعني ما تعنيه، وتضعنا في موقف ينبغي أن نكون فيه أكثر صدقا وحسما؛ إن الأمر قد أصبح خطيرا، بخلاف ما كنا نظن في البداية، وفقا للمعلومات التي كانت متوفرة لدينا عن هذا المرض الجديد حينها، وقد نشرتُ مادة مرئية في قناتي على اليوتيوب بينت فيها للناس أن الأمر يتعلق بمرض عادي، وليس عليهم أن يهولوا من الأمر، وأنه لا يقتل إلا بنسبة معقولة ومنخفضة جدا. وقد كان ذلك هو الموقف الطبي في ذلك التاريخ، وهو موقف المنظمة العالمية للصحة، لكننا بعد انتشار معلومات أكبر عن هذا المرض، تبيّن أنه ليس مجرد مرضٍ عادٍ، وأن نسبة فتكه بالأرواح تظل مرتفعة، وخاصة وأنه سريع الانتشار جدا.

بحكم أنني طبيب يشتغل في القطاع الخاص، لم يشملني قرار الحجر الصحي الإلزامي الكامل، فبعد الأسبوع الأول في الحجر، كان لا بد من العودة للعمل. وكان احتمال التعامل مع مرضى مصابين بالوباء كبيرا جدا، وهو ما يعني ارتفاع نسبة احتمال إصابتي بهذا المرض. كان هذا المعطى يصيبني بالتوتر، ذلك أنني أعود إلى منزلي كل يوم، حيث بقيت أعيش مع عائلتي، وهو ما يعني تعريضهم لخطر الإصابة بهذا الوباء في أي وقت. إذ في كل يوم، نفحص الكثير من المرضى الذين من المتوقع أن يكون من بينهم حاملين للفيروس، ولا بد أن تسهو في لحظة ما وتقوم بحركة قد تعرضك للإصابة بالمرض. كنا -أطباء القطاع الخاص- ننتظر ونترقب الوضعية الوبائية كيف ستتطور، وكنا مستعدين لأن ننضم إلى القطاع العام في محاربة هذا الوباء. لكن بحمد الله سارت الأمور بشكل جيد إلى حدود كتابة هذا المقال، ولا يبدو أن بلدنا سيصل إلى مستوى خطير من تطور الوباء، بحيث ستحتاج منظومتنا الصحية إلى الاستعانة بخدمات القطاع الخاص لتخفيف الضغط على القطاع العام.

وجد الأطباء إذن أنفسهم في الواجهة، واجهة مقاومة هذا الوباء. وكلهم سيختبرون لأول مرة مثل هذه الوضعية: أن تعالج المرضى وأنت تخاف أن تنتقل إليك العدوى لتصير واحدا منهم. تنام في غرفة على سرير طبي، بدون هاتف نقال، وبدون القدرة على الحركة. تستلقي على السرير ليلا ونهارا، تنتظر أن تصلك أخبار مبشرة تفيد بتغلبك على الفيروس بعد تحليلة أو تحليلتين، إن لم تكن حالتك قد ساءت وانتقلت إلى غرفة الإنعاش. أن تكون في المستشفى بوصفك طبيبا يختلف عن أن تكون فيه بوصفك مريضا. حين تكون هناك طبيبا تشعر بالثقة، بأن دورك مهم، بأنك تسهم في التخفيف من آلام الناس، وفي إنقاذ أرواح البعض منهم، ويكون وجودك ملحوظا ومرغوبا فيه. لكن حين تكون هنا بوصفك مريضا، يتلاشى هذا الحضور وتغيب هذه الثقة؛ أنتَ واحدٌ من مئات المرضى، وربما الآلاف لا قدر الله. لا شك أنك تدرك صعوبة التفكير في هذا الأمر عزيزي القارئ؛ إنها فكرة مقلقة تدور في ذهن كل طبيب في هذه الظرفية. وأما الأطباء الجدد، الذين عُينوا حديثا في القطاع العام فأمرهم أكثر صعوبة، لا شك أن هذا سيكون ابتلاء عظيما لهم؛ كم هو شاقٌّ وصعب أن تبدأ مسارك المهني في الطب في هذه الظرفية. ولا يمكننا إلا نسأل اللهَ لهم التوفيق والعون.

ولا شك أنها معركة بالنسبة لكل العاملين في القطاع الصحي، والجندي لا يفر من المعركة. نعم، لا يمكنني أن أدعي أنني لم أكن خائفا، لقد كنت كذلك. ولكن قررت أن أتطبّع مع هذا الخوف؛ والحق أنه في مثل هذه الظرفية يغدو نافعا جدا أن تظل خائفا في حدود معقولة، لأنك بذلك ستحافظ على حذرك دائما. تهيّأت نفسيا للعمل في هذه الظروف، حيث الخطر قائم في أية لحظة، ربما لأسابيع، أو شهور، أو سنة، لا ندري كم سيطول الوقت حتى تنجح البشرية في التوصل إلى لقاح فعال ضد هذا الفيروس.
هذا الشعور بالخوف يجعلني أفكر أحيانا وأتساءل: مِن ماذا أنا خائف؟ لم أكن أخاف من الموت، كنت متأكدا من ذلك. لكني أخاف حقا من الألم قبل الوفاة، من آلام الاحتضار، من الساعات الطويلة في سرير الإنعاش؛ كان هذا أكثر ما يثير رعبي. ربما لأنني رأيت أناسا كثيرين وهم يموتون متألمين أشد الألم، وقد علَت وجوههم أمارات الندم والشعور بالغبن؛ لا تدري شيئا عن حياتهم، لكن لن يخفى عليك أنهم نادمون على شيء ما، أنت لا تدري كنهه تحديدا. قد يكونون لم يعيشوا حياتهم كما كان يتوجب عليهم أن يفعلوا، وربما أخطؤوا في حق غيرهم، ربما ضيعوا فرصتهم الوحيدة في العيش فيما لا فائدة منه؛ كثيرة هي الاحتمالات، لكن المصير كان واحدا: ألم شديد قبل الوفاة مع غصة ظاهرة وندم بيّن. هل كنت أخشى أن أنتبه في آخر المطاف إلى أنني قضيتُ حياتي، واستنفذت فرصتي الوحيدة فيما لا فائدة منه؟ هل يكون هذا ما أخشاه؟ يصعب علي أن أجزم بالجواب، لكني متأكد أنني لست أخاف من الموت في ذاته؛ إذ لا أؤمن أن الموت نهاية للحياة، بل هو بداية لحياة أخرى. لو كان كل شيء ينتهي بالموت، لكانت الحياة عبثا لا يطاق.

مقالات مرتبطة

إن الموت ليس سكتة دماغية، أو غيابا للوعي بالأشياء، أو توقفا في وظائف الأعضاء، أو توقفا لكل شيء باختصار، كما يروج له الفارغون من الملحدين. أولئك الذين يصرون أن يجعلوا حياتنا، بكل معانيها السامية، تبدو وكأنها لا معنى لها، بحيث تبدأ وتنتهي. ثم ماذا؟ ثم عدم محض! ولِـمَ الخوف من الموت إذن، إذا كان المصير هو العدم؟ لا شك أن الخوف إنما هو من المجهول؛ فالناس تخاف الموت لأنها تجهل ما ينتظرها بعد الموت، وذلك ما يخافه الملحدون أيضا. المجهول دائما شأنه أن يكون مخيفا، وإذا كان هذا المجهول ينتمي إلى ما بعد الموت، فالخوف منه أشد بلا شك. والحق أن خوف الملحد ينبغي أن يكون أقوى من خوف المؤمن الموحد. ماذا لو وجد أن كل ما يتحدث عنه المتدينون صحيحا؟ ماذا لو كان الله موجودا؟ ماذا لو صدقت الرسل، وكان هو من المستكبرين؟ ألن تكون خسارته فادحة جدا؟ فحق له أن يخاف إذن.

وأما خوف المؤمن فيكون حول تفاصيل أقل شأنا من معضلة الملحد: هل كنت مخلصا في عملي؟ هل يتقبل الله مني؟ هل أديت ما علي؟ هل كنت أمتثل أوامر الله كما أمرني؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تقلق المؤمن في هذه اللحظة، مع بقاء الرجاء والطمع في رحمة الله الواسعة.

وأنا منشغل بهذه التساؤلات، تذكرت صديقا عزيزا، قام بحادثة سير مميتة، كادت أن تذهب بروحه، وهو الدكتور الجراح محمد الناية، وتذكرت ما قال لي حين هاتفته منذ أيام، وهو أنه مع أن الحادث كان مرعبا ومميتا، إلا أنه لم يخف، ولم يهُله الأمر، وأضاف قائلا: “بل كنت أستحيي أن ألقى الله بأعمالي”. كان لهذه الكلمة رنة خاصة في أذني، وبقيت عالقة في ذهني من تلك المحادثة. يدرك المرء كثيرا من الأسرار حين يحظى بفرصة ثانية، بعد أن يكون قد ظن أنه قد فات الأوان.

لكن هل كان الموت وحده هو الأمر المخيف والمقلق في هذه الجائحة؟

في الواقع، كانت الأشياء تنهار على جميع الأصعدة، فبالإضافة إلى عدد الوفيات الذي يرتفع بشكل مهول يوما بعد يوم، كان المفلسون كذلك يسجلون أرقاما ملحوظة، تدل على أن الجائحة الصحية لن تكون صحية فقط، بل صحية واقتصادية واجتماعية أيضا. لا تحتاج أن تكون خبيرا اقتصاديا لكي تدرك أن اقتصادنا لن يصمد طويلا، وأننا مقبلون على كارثة اقتصادية غير مسبوقة. والأمر معضلة عالمية ولا يخص المغرب فقط.

ربما سيبدو غريبا أنني كنت أفكر في الحلول الاقتصادية المفترضة لهذه الظرفية، والإمكانات المتاحة للعالم لمواجهة مخلفات هذه الجائحة، كما لو كنت أمينا عاما لمجلس الأمم المتحدة أو مديرا لبنك النقد الدولي، أو رئيسا لدولة موكول إليها أن تقرر في شأن بقية دول العالم، وأن تجنبها هذه الكارثة الاقتصادية الوشيكة. والمرء حين يفكر بهذه الطريقة يزداد توتره، وهو ما كان يحدث معي. لكني كنت مدمنا على التفكير، وربما كان ذلك التفكير هروبا وتعاليا على الواقع، وفكرة تقبل الوضعية الحالية.

ولا ريب أن إدمان التفكير في جزء منه هو هروب من الواقع في بعض الأحيان؛ حين تصير تعيش في عالم مجرد من الأفكار، تهرب بالأحداث من الواقع إلى الذهن، لكي تصيغها في قوالب مفاهيمية ذهنية مجردة. لكنه أمر لا بد منه، لأن الواقع في نهاية المطاف لا نفهمه إلا بعد تحويله إلى مفاهيم ومصطلحات ولغة رمزية. والواقع متغير بشكل مستمر، ولذلك سنحتاج إلى التفكير فيه بشكل مستمر أيضا. وحين ينهار كل شيء، فالإنسان الواقعي سيطرح السؤال الواقعي: كيف يمكن إعادة بنائه؟ لكن الإنسان الحكيم سيتساءل: لماذا انهار كل شيء؟ لأن فهم أسباب الانهيار والوقوف عليها هي الخطوة الأساس لإعادة بناء كل شيء، بطريقة تمنع من حصول الانهيار مرة أخرى بنفس السبب.

وإذا صح أن الهروب مذموم عند العقلاء، فيجب أن يكون الهروب من فكرة ما كذلك مذموما، لأن الشجاعة تقتضي المواجهة. ومواجهة الفكرة يعني استئناف التفكير فيها.

فأين المفر من التفكير إذن؟