إشعار لطيف

تحية عن بُعد أما بَعد،
كثيرة هي رغباتنا، طويلة هي لائحة مهماتنا التي تنتظر الإنجاز، عديدة هي وعودنا مع نفوسنا، لكن غالبا ما تظل الرغبات نفسها كثيرة واللائحة ذاتها طويلة والوعود معلقة إلى أجل غير مسمى…لماذا؟ لأننا ببساطة منغمسين في حياة ليست بالضرورة تعاش بالطريقة التي نريدها، لا بل وأحيانا لا تمت بصلة للرغبات والمهمات والوعود المنقوشة على جدار الأحلام الذي نطمح بتسلقه لاكتشاف ما يخفيه، لكن ليس الآن وليس غدا؛ لأننا نستمتع بإلقاء اللوم على الظروف غير الملائمة وغير السانحة للمضي قدما نحو الحياة التي خلقنا لنحياها بأصولها.

وكما لا يخفاكم أن الظرف الذي لطالما كان حجتنا المبهرة وبطاقتنا الذهبية هو ضيق الوقت، وعدم توفر ساعة الجدار على أرقام إضافية، لطالما عاتبنا الشمس على غروبها المبكر وشروقها الأكثر تبكيرا، وعلى السباق الماراثوني للأيام والشهور والسنين، لكننا لم نقف لوهلة واحدة لنعاتب أنفسنا ونجد المتغير الذي قد يوازن المعادلة، ومن المضحك أن سبب عدم الوقوف هو هذه المرة أيضا ضيق الوقت…يا لا السخرية!

لكن، لا عليكم، نعيش في منظومة خارجية متوازنة حتى وإن اختل الباطن لوهلة، لا بد من وجود إشعار لطيف من الكون حتى ينبهنا بأن شيئا ما في زمان ومكان ما لا يسير كما يجب، وأن الوقوف أصبح إجبارا لا اختيارا، حتى يعاد النظر فيما سلف ويعاتب المقصر الحقيقي.

والإشعار اللطيف لم يكن سوى رسالة مشفرة، غالبا ما يبعث مصطلح التشفير على مفهوم الغموض والتركيب والتعقيد لكن المفاجأة أنه ليس بالحال في وضعنا، لقد احتوت رسالتنا على شفرة فكها، يا للطافة الأقدار!

مقالات مرتبطة

وقوف إجباري، تلقي رسالة واضحة، وقت كاف لقراءتها.. لا أظن أن عاقلا واحدا قد لا يكلف نفسه عناء فتحها واكتشاف مضمونها.

يا لها من صدمة!
بعد قراءة الرسالة انقشع الظلام..اتضحت المعالم ولو جزئيا، كل ما بدا لنا سابقا لم يكن كما هو عليه الحال، من خدع من؟ تلك كانت الصدمة.

لم يكن الوقت هو سبب تخلفنا عن عيش الحياة بحروفها الأربعة، لم يكن هناك داع للتذمر والمماطلة، لم يكن من الحكمة والصواب أن نهدر طاقتنا في التخطيط البعيد الأمد. أبان الاختبار عن فشل ذريع وسوء تصرفنا في حيواتنا، لقد كان الخلل فينا، كل الظروف كانت ملائمة بل ومثالية، لقد أغشيت أبصارنا حتى خلنا أن الطريق المعبد هو المسلك الصحيح لأننا لم نمهل أنفسنا لحظة حتى نتحقق من الخارطة. كان تقديم الذرائع والحجج لغتنا المفضلة وكادت السرعة في السير أن تقودنا إلى حافة الهلاك لا محالة.

كان التحدي ذكيا…لا تملكون الوقت؟ تفضلوا، ساعات إضافية وأيام بيضاء، لكن هل فعلا هذا ما ينقصكم لتحققوا المراد؟ بالطبع لا، كانت الإجابة الصائبة مؤلمة، لكن وأخيرا تم التصريح بها. إنها يا أعزائي مسألة أولويات وتدبير سليم، للجميع حظه من الأيام في هذا السفر، وله الاختيار في تحديد برنامجه، لا وجود لأوهام تعرقل سير هذا البرنامج كما يتوجب له أن يسير إلا إذا أراد له صاحبه ذلك، نقطة واحدة هذه المرة وليس اثنتين.

شكرا عزيزي الكون على محبتك اللامشروطة وجهدك الجميل حتى نتلقى الدرس ونشخص الخلل…شكرا للفرصة الثانية التي يمكن أن نحظى بها، لم يكن الإجبار يوما للضرر، بل ضرورة توجبت لضمان المصلحة، آملين العودة سالمين، مستوعبين للدرس كما يجب، غير مستأنفين لما مضى بل بادئين بشكل أصح من أجلنا.