إلى متى؟

في نقطة ما وعلى ممر معين وقفنا لنرى الطريق الذي سلكناه أو الذي قادتنا إليه الأيام، وهناك، حيث الظلام، حيث لم تكن إلا الأفكار السلبية والمشاعر المخيبة، هناك، حيث لا نستطيع أن نستمر أو أن نعود لنبدأ من جديد، تسلب طاقتنا وتتمزق أرواحنا، ثم نقول بصوت خافت: تعبنا وتعبت الأرض التي نسير فوقها. هي نقطة الانهيار، النقطة التي ستفرغ الكأس، النقطة التي ستغير مجرى حياتك سواء إلى الأسوأ أو الأحسن. هنا فقط، ستنهال عليك جميع الأحاسيس إلا الإحساس بالراحة.

أحاسيس متشابكة، متغيرة وغير متوازنة، مهما شرحت حالتك، ومهما تكلمت عن دواخلك، ومهما عبرت بسائر الكلمات إلا أنك لا تستطيع أن تصف حياتك الداخلية. نعم يا صديقي، بكيت، وصرخت، وغضبت، وتشاجرت معهم وتكلمت بالسوء، كل هذا لتفرغ ما بداخلك، لكنهم لم يبالوا، لم يحسوا ونعتوك بالأبله، لم يعرفوا ولن يعرفوا الحرب الداخلية التي تعيشها ولا المعارك النفسية التي تخوضها، تكون في حاجة لطبيب نفسي وإن ذهبت ستصبح مجنونا في نظرهم.

لن أقول لك ابدأ، لأنك بدأت سابقا، ستتمم عملك يا صديقي، سترمم جروحك من أجلك ولأجلك. في البداية، لا تكترث لرأي الغير كيفما كان، فأنت تعيش، وتتذمر، وتسقط، وتبكي وحدك، فكيف لن تستطيع النهوض وحدك، لن أقول إن الأمر سهل، إذ لا زلنا في البداية، إلا أننا نستطيع.

الألم وما أدراك ما الألم! تحس وكأنه سكين غرس في صدرك، كأنه السراب دخل حياتك، كأنك لست أنت ولن تكون أنت ولن تصبح كما كنت، إحساس مع بشاعته إلا أنه يضفي معنى لحياتك. لا تخف من الألم، ولا تخف من الوجع، ولا تخف من جميع الأحاسيس لأنها تجعلك تعيش وتكون مصدر الإلهام ومنبع النور. إذن إلى متى؟ إلى متى ستظل في مكانك؟ إلى متى ستتحسر على ماضيك وتنعي حاضرك؟ إلى متى ستظل ضعيفا؟ إلى متى ستجد أعذارا؟ هرمنا ولا زلنا نحمل الغير مسؤولية فشلنا وضعف شخصياتنا ونعزو الأمر للظروف، والفقر والصحة.

فقدنا الكثير في هذه الرحلة ولربما لا زلنا، ولكن هل نستسلم حقا؟ هل سنسمح للظروف بحسم طريقنا؟ أيعقل بعد كل هذا التعب، والمعاناة والأرق أن نقف الآن في هذه اللحظة وننهي كل شيء، لا لشيء فقط لأننا تعبنا ومللنا ونزفنا.

أوقات عصيبة مرت ولا زالت، لكن، لم نحن؟ السؤال الذي طرحناه وطرحوه أجدادنا، السؤال الذي يقف بيننا وبين تحقيق ذواتنا، السؤال المنبع للمأساة والمعاناة، هكذا نعيش في الماضي ونتطلع للمستقبل وننسى الحاضر، نحفز الغير ونعطيه الطاقة والتقدير والاحترام الذي لا نمنحه لأنفسنا، فيكون بمثابة بنزين يقوده لتجاوزنا، وبمثابة محطة تكون سببا لوقوفنا. هل سنقف الآن في هذه اللحظة ونوقف حياتنا ونضع حدا لهذه المأساة أم أننا سنستمر إلى آخر نفس، إلى نهاية النفق؟ أين الطفل النشيط الذي يفرح لأبسط الأمور وتسعده أبسط الأشياء؟ أين ذلك الطفل الذي كان يسقط وينهض؟ أين ذلك الطفل الذي كان ينتظر الأعياد والمناسبات؟ أين ابتسامة ذلك الطفل؟ أين فرحه؟ أين هي سعادته؟ لماذا تغيرنا؟

أصبحت لا تفرحنا أغلى الأشياء وأثمنها، دائما ما ترى تعاستنا، أين كنا وكيف غدونا، لم يا ترى؟ ألأننا لا نعيش كل لحظة بتفاصيلها أم لأننا نسينا الله فأنسانا أنفسنا؟