إليك يا ابنتي!

يا ملاكي يا من ثغرها جوهر، نصفها كافور، ثلتها عنبر وباقيها ماء ورد.

أعلم أنك ستخوضين الحب بكل ما يملكه قلبك الصغير من صفاء وجمال؛ فأنت يا قطعة من سكر كما أحببت دائما أن أسميك، لم تري من الحب سوى الجميل ومن القلوب سوى نقاؤها ولم تشعري سابقا قط بألم الروح بل حتى لم تسمعي أنينها.

لهذا، فأنا أخشى عليك أن تفقدي أسباب الجمال حتى باتت ترعبني فكرة أن تدركي متأخرا الفرق بين الحب ونقيضه الألم، وأن يوجعك صوت قلبك وشعور الوحدة رغم كونك وسط الزحام.

لذا سأخبرك يا ابنتي أن الحب قد يكون فيه شيء من الألم لكنه كل الحياة، فلا تحاولي الهروب من ٱلامك بل عيشيها ولا تدعيها تمر مرور الكرام، لكي لا تترك أثرا على قلبك الرقيق؛ إذ جل ما يدمي قلب الإنسان يمكن تجاوزه دون اقتلاع جذوره.

وسأعلمك يا صغيرتي أن تكوني حرة أينما عصفت بك الحياة، وحيثما أضفت بريقا ونسجت سعادة. وأن تبحثي عن حريتك، لكن لا تخلطي بينها وبين الهمجية، فالحرية يحدها احترام إنسانية الٱخر حتى وإن اختلفت بينكما التوجهات، والاختيارات والاعتقادات.

وأن تكوني جميلة قلبا قبل أن تكوني جميلة قالبا، وأن تحبي نفسك بكل ما تحملين من عيوب، وأن تتقبلي هذه العيوب إذا ما كانت غير قابلة للتغيير قبل أن تحبي ما يزيدك بهاء. وأن تعلمي علم اليقين أنك لست كما سيزعمون ناقصة، ضعيفة وكائن محدود بل أنت عالم متكامل من القوة والجمال والرحمة.

سأعمل على أن تتذكري أن الحياة المادية لا وصول فيها، فكلما اقتربت منها ابتعدت عنك، وأننا نصل بالشعور، وبالشعور فقط نبلغ الحياة ونتشبع بها ونمتلئ.

مقالات مرتبطة

وأن لا تحاولي أن تكوني ما ليس أنت، لن أدعك تفرطين في نفسك من أجل الآخرين ولا أن تتخلي عن أحلامك، وطموحتك، ورضاك وقناعتك لأجل الآخر، كيفما كان هذا الآخر، هذا وعد لك ووعد الحر دين عليه.

سأعلمك أن الأنانية المعتدلة منجاتك لتكوني أفضل، وليست شرا وغيابا للضمير كما أوهمونا، وأن الحياة ليست مكانا تقليديا نعيش فيه مع غياب حلاوة العيش بل أعمق من ذلك، فهي يا قطعة من قلبي رحلة بحث عن الحقيقة ولا سواها.

سأكون من يساعدك لكي تصنعي يا صغيرتي مجداً يليقُ بكل الفشل الذي يمكن أن يكون قد سبق، بشموخ يحيي الإبداع الراكد خلف جدار اليأس لكي نخمد من قال إنك لن تستطيعي الوصول، فالشوك مغروس في قدميك والطريق ردم لن تعبري منه.

سأعلمك الكفاح في سبيل عيشك كإنسان طبيعي، فهذا أمر ثمين، أمر يحمل في طواياه قوة تغذي المظلومين، ونورا خافتا يجعل من يعيش أنصاف حياة يبحث عن حياة منصفة، وستكافحين في قراراتك لأنك تستحقين الاختيار، وتملكين من الحكمة ما يمكن أن يغير مصير مجتمع كامل إن لم نقل العالم.

سأردد على مسامعك منذ نعومة أظافرك اقتباسا
للكاتب جبران خليل جبران: “باطلة هي الاعتقادات والتعاليم التي تجعل الإنسان تعيسا في حياته، وكذّابة هي العواطف التي تقوده إلى اليأس والحزن والشقاء، لأن واجب الإنسان أن يكون سعيداً وأن يعلم سُبل السعادة ويهدي الناس اليها أينما كان.”

وعندما تبلغين الخامسة عشر سأهديك كتابا (أحبي نفسك أولا)، سيخبرك أن لا تنتظري من الآخر أن يحبك إن لم تحبي نفسك وتدليلها وأن تخصصي لها من الوقت ما تخصصينه للآخرين، وأن تتخلصي من الأفكار والمعتقدات إن لم تنبع منك، وأن لا شيء يستحق أن تكرهي نفسك لأجله.

سأعلمك الكثير والكثير، لكن ختاما يا قطعة من سكر، أنصحك بالحفاظ على بياض السريرة ونقاء الروح وعلى الإنسان فيك مهما واجهت من عسر وعثرات، وتذكري أن وظيفة القدمين المشي، أما هوايتهما فهي الرقص، ووظيفة القلب ضخ الدم وهوايته عزف النبض، أما وظيفتي فهي أن أحميك وهوايتي أن أحبك.