اختيار ناضج

في كل غياب أتوقف عن الكتابة ومحاولة شرح أفكاري للآخرين لأتفرغ لشرحها لنفسي ومحاولة فهم ذاتي، لعلي بذلك ألتمس شيئا من النضج لمراجعة شيء من تلك التأملات.

وفي كل مرة من هذه المرات كنت أعود بأفكار مختلفة، قد تبدو عادية للبعض وتافهة للبعض الآخر إلا أنها تغير الكثير في منظوري الشخصي وتعيد ترتيب أوراقي المبعثرة.

ولعل أهم فكرة راودتني في غيابي هذه المرة هي علاقة النضج بالاختيار.

مقالات مرتبطة

فمن الوهلة الأولى يعتقد المرء أنه كلما ترقى في درجات النضج والفهم إلا وصار أكثر تطلبا وانتقائية ليصبح من الصعب أن يجد من يلائم تصوره ويتقبل رفقته…غير أننا في الحقيقة نكون خاطئين بذلك؛ لأن النضج الحقيقي هو ما يجعلنا أكثر تقبلا للآخر وأكثر إيمانا بالنسبية في صفاته، لنصير أقل تعصبا لأفكارنا ومعاييرنا وندرك عدم وجود المثالية والكمال في شخصيات من نصادفهم.

وأنا بهذا لا أدعي أن الشخص الناضج الفاهم للأمور قادر على تقبل رفقة الجميع وتحمل أيا كان، لكنه بلا شك يرى الأمور بشكل مختلف تجعله أقل أنانية فلا يرى العالم من منظوره فقط، فهو يدرك أن الجمال الحقيقي لا يخضع للقياس السطحي والمعايير الجاهزة ولا الاختبارات المتعارف عليها، وأن هناك أبعادا أكثر أهمية تغير الكثير في قيمة الأشخاص كلما اكتشفناها. فتراه يميل للتكيف بدل الرحيل ولتحمل المسؤولية والالتزام بدل الهروب، فلا يجعله نضجه ذاك يلقي بكامل ثقل الحياة على طرف آخر لأنه يطلب رفقته وتقديره لا امتلاكه والحكم عليه.

ولعل هذا الالتزام هو ما جعل زواج الماضي أكثر دواما رغم نقص معرفة الطرفين لبعضهما البعض؛ لأن العلاقات في منظورهم كانت تمثل الالتزام والصبر والتقبل. في حين تفشل علاقات اليوم مع طول المعرفة وتعدد وسائل اللقاء والاتصال ما دام الجميع يرى الزواج مرادفا لسعادة ورفاهية لا يشوبها نقص، ليصير متعبا بوجود المشاكل فيختارون إنهاء الأمر.

والواقع أننا إذا تأملنا كل الصفات التي ترافق الشخصية الناضجة التي نطلبها، من واقعية وصبر وقناعة وتقدير وفهم عميق…فسيكون من المنطقي أن نصل لخلاصة كهاته، ولندرك أن كل أولئك المترفعين المنتقين والواضعين لكل تلك المعايير العالية والأحكام المسبقة هو أبعد ما يكونون عن النضج إن لم نقل أنهم قد قطعوا شوطا طويلا في الاتجاه المعاكس تماما الذي يؤدي إليه.