الأمل الذي لا يخيب

1 1٬323

هناك مقولة تعجبني كثيرا للمفكر و الزعيم التشيكي “فاتسلاف هافل” يقول فيها :

الأمل ليس هو أن تعلم أن كل شيء سيكون بخير و لكن الأمل أن تعلم أن كل شيء سيكون له معنى

أكاد أجزم أن فهم الأمل على هذا النحو من شأنه أن يحدث ثورة حقيقية في حياة الإنسان. أليس الأمل في النهاية هو صيغة من صيغ البحث عن السعادة ؟ الأمل في النجاح، الأمل في الشفاء، الأمل في الربح ، الأمل في الخروج من المأزق، الأمل في العثور على شريك الحياة المناسب، الأمل في حياة هانئة وخالية من المنغصات

و لكن هل الحياة تسير فعلا على هذا النحو ؟ وهل عندما نأمل في شيء نحصل عليه بالضرورة، على الأقل بالتصور الذي رسمناه و أملناه  طويلا؟ و إذا حصلنا عليه ألن يكون هناك شيء آخر نستشعر نقصانه؟ أليس النقصان هو السمة الغالبة على الأشياء في هذا الوجود؟ بل، أليست أنفسنا هشة بمكان لكي تفضل أحيانا “توقع الأسوء” بدل الارتطام بأمل خائب؟

مقالات مرتبطة

ولكن أي مذهب هذا يذهب بنا “هافل” عندما ينفي عن الأمل كونه توقع أن  يكون كل شيء على ما يرام، متجاوزا بذلك نقصان هذه الحياة، ليس بالهروب منه نحو خيالات و أوهام ترسم حياة وردية قد تأتي أو لا تأتي.. ولن تأتي كاملة في جميع الأحوال، إنما يتجاوزه من خلال مواجهته والإقرار به. إنه يفتح صدره عاريا، بحيث يقبل من الحياة وجهها الشاحب كما يقبل وجهها النضر المتبسم ولكنه في مقابل هذا.. لا يرضى بأقل من أن يكون لكل شيء معنى.

ألا يبدو الأمل فاتنا على هذا النحو؟  عندما يصبح نقصان الحياة هو عين كمالها، عندما يتحول هذا النقصان إلى سؤال مضن يحث الإنسان على البحث عن المعنى بدل الانغماس في أمنيات ساذجة، عندما ينأى به عن التطلع للمتع السطحية التي في الغالب لا تكون كافية للاستجابة لمكنوناته، وعوضا عن ذلك يدفعه لفهم حاجياته العميقة لدرجة قد تتساوى فيها عنده ظواهر الأمور فيصبح حصول الشيء الذي كان هو المراد و المبتغى أمرا عابرا بعدما استقر المعنى في الواجهة.

ورغم هذا، لا يمكن أن نهرب من فخ التبسيط و التسطيح لنقع في الفخ المقابل له بتنزيه الإنسان عن الرغبات و الامنيات حتى لو كانت بسيطة . الأمل بمفهومه المتعارف هو استجابة فطرية لطموحات الإنسان و رغبته في العيش الكريم وبحثه عن السعادة ، ولكن نقصان الحياة  هو الذي يشكل الدافع و المحرك الذي يتوجه به لطلب الكمال فيما هو أعمق محققا بذلك توازنه المادي و الروحي معا.

ويبقى أهم ما في الأمر، أن الأمل الذي يسعى إلى المعنى لا يخيب.