الإنتلجنسيا

ما من مجتمع من مجتمعات العالم إلا وهو يعتمد على النخبة المثقفة أو ما يسمى بالإنتلجنسيا في سيره ويستظل بظلها ويهتدي بهديها. الإنتلجنسيا أو النخبة المثقفة أو المثقفون تشمل كل من لاقى تعليما عاليا وحديثا كالمدرسين، والكُتاب، والشعراء، والصحافيين والفنانين وما إلى ذلك. ما نود التطرق إليه في هذا المقام، هو الدور الأساسي الذي تقوم هذه النخبة في نفوس الجماهير، و ما ندركه إدراك اليقين هو أن النخبة معهود إليها بتسيير مصالح وسلطات معينة داخل المجتمع لتنظيمه وقيادته قيادة حكيمة.

الإنتلجنسيا تقوم بدور المعلم الذي يعهد إليه تثقيف العامة من براثن الجهل وانحطاطات الأمية واللاوعي، تقوم بدور المرشد والموجه في حياة الأفراد، فتقوِّم معوجهم وتصلح ما فسد من شؤونهم، وهي القدوة التي ينبغي السير على منهجها، وهي المصباح المشتعل الذي يضيء عتمة التخلف.

تمتاز هذه النخبة عن غيرها بامتيازات عدة لا سبيل إلى حصرها، فهي العقل المدبر في جسم المجتمع الذي يتولى مشاكله وصعوباته فينتج لها حلولا مرضية من جميع الأطراف، وهي الفئة التي تنضح بالعلم والرقي والتقدم، تعرف من أين تبدأ ومن أين تنتهي، تدرك أهدافها وطموحاتها ومحددة رؤيتها المستقبلية بوضوح جلي، لا تتخبط في خطواتها وتتعثر كالأعمى الذي يخطئ السبيل، بل تنتهج منهج الوسط؛ تخطئ وتصيب عازمة على استكمال ما بُدِئ، لا يستولي عليها اليأس أو الاستسلام، متفائلة في جل خطواتها متوكلة على خالقها، إنها النخبة المثقفة القوية إذا ضعف المجتمع، والصادقة إذا كذب وهي المتفائلة إذا تشاءم، وهي المعلم المثقف إذا عمّ الجهل، وهي موجه الطريق إذا زاغ الأفراد عن السبيل.

الإنتلجنسيا لها المكانة السامية بين الجماهير، وقيمة تعلو ولا يعلى عليها، الكل يوقرها ويعظمها، والكل إليها محتاج ومستغيث، يستغيث بها خوفاً من التردي في غيابات التخلف والجهل بكل أنواعه، إنها حبل النجاة وعروة لا انفصام لها مع المجتمع؛ فهي تحمل قدرا وافرا من المسؤولية تجاه المجتمع بحيث إنها جزء منه لا ينفصل، فإذا أصاب المجتمع مصيبة فلا بد من النخبة أن تتضرر وتتحمل عبء الضرر و عبء المسؤولية الملقاة على عاتقها، مسؤولية العلم الذي تحمله في عقولها، ومسؤولية المنزلة التي تسمو بها عن عامة الناس.

مقالات مرتبطة

كيف حال النخبة المثقفة في عصرنا هذا؟ هل النخبة ما زالت على عهدها ووعدها ما استطاعت؟ أم انقلبت على عقبيها كما ينقلب الزمن؟ هل ما يزال في قائمة أهدافها تعليم المجتمع وتثقيفه والجهاد في تنمية أفراده على القيم العليا والمبادئ الشريفة؟ أم حذفت هذا الهدف وصار من الأشياء الثانوية لا يلقى لها بال؟

إنما كان تعظيم المثقفين ومحبتهم المثلى في زمان لا تكدره غدرات الدهر ولا تطغى عليه مصالح شخصية، كان الشعب يقدر المثقفين وينزلهم المنزلة السامية في زمان قبل الكولونيالية، حيث كانت الصلة بين الطرفين وثيقة متينة، فالنخبة كانت تسعى جاهدة لرد الاعتبار للشعب ومناظِلة لحقوق الإنسان وتأييده في جل شؤونه وتحقيق رغباته وحاجياته الأساسية، بينما في زمن بعد الكولونيالية انقلبت النخبة على عقبيها، فسارت ضد تيار الشعب لا تستجيب لمطالبه بل لا تجد أذنا صاغية منها، وهذا راجع للاستعمار الفكري والثقافي الذي زرعه الغرب وسقاه بماء الدم في عقل المثقف العربي، فصار هذا الأخير ينزع جلدته العربية الإسلامية ويرتدي جلدة الغربية المادية، وقام في مجتمعه مقام المستعمِر أيام الاستعمار، فنادى في الشعب أن ينتهجوا منهج المدنية الغربية في حركاتها وسكناتها وفي صمتها وكلامها وفي أعيادها وحفلاتها.

لقد أغفل جانبا من أهم الجوانب ألا وهو أن ثقافة العرب واحتياجاتها وعاداتها لا تتوازى مع ما تؤول إليه الثقافة الغربية، فهما ثقافتان لن تمتزجا يوما لتصيرا ثقافة واحدة ولن تذوبا في الائتلافات لتتعايشا مع المختلفات، فإذا أردنا السير على خطى الغرب ونتبنى ثقافته فهذا ينتج عنه دفن ثقافتنا العربية الإسلامية دفناً لن تستقيم بعده أبداً.

أوضحت مجلة استغراب المقصود في مقال لها على موقعها حيث تقول: ’’تتولى الإنتلجنسيا نفسها تسويق ثقافة الهيمنة الاستعمارية وهي على قناعة بما تصنع، تلك اللعبة الإمبريالية تبدو في ظاهرها شديدة الحرص على الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ حيث لا يستطيع كل من يراها مقاومة خطابها وآليات عملها، فهذا هو الأسلوب الجديد لاستمرارية الاستعمار الماكر ذي الدهاء الفائق، لفرض السيطرة على جميع المستويات الثقافية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.‘‘

فمثقفو الأمة في عصرنا هذا يعيشون في معزل عن عقلية الجماهير، تنامى حاجز بين الطرفين صعب الهدم، مما أدى إلى تفاوت في المستويات وإلى صراع بينهما صعب أن نغض الطرف عنه، تلاشت الروابط والثقة بينهما فما أضحى الشعب يستفيد من علوم النخبة ويضع موطئ قدم تقدما نحو الأمام، وما أصبحت النخبة إلا بعدا عن مجتمعها لأنها تسعى إلى نسخ النموذج الغربي على الفرد العربي، وهذا الأخير أبى إلا أن يبقى على سجيته، ومن هذا نستنتج أن سبيلهما وغايتهما (كل من الشعب والطبقة المثقفة) مختلفان، ومن هذا نرى ذلك التنافر بارزا على بقعة الواقع. ألا ليت الزمان يعود يوما فأخبره بما آلت إليه أمتنا الإسلامية على يد من يدعون أنهم مثقفون.