الإنسان كائن ألمعي مفلول!

123
إن الحديث عن الإنسان هو حديث يبين أننا أمام ذات مفلولة يصعب تحديد جوهرها وكنهها…هو حديث يبين أننا إزاء ذات تحمل ما لا يعد ولا يحصى من الطباع، والشخصيات، والعواطف والرغبات.
تلك الذات الألمعية التي لطالما شغلت عقول المفكرين والباحثين على مر الزمن ودائما ما تساءلوا عنها وجربوا البحث فيها وفي وظائفها، وحاولوا جاهدين استخلاص خاصياتها كما حاول الكثيرون منهم تحديد ماهيتها وما تروم إليه، إلا أنهم وقفوا في مرحلة ما حينما أدركوا كل الإدراك أنهم أمام بحر معقد من الإرادة، والرغبة، والحاجة، والطبيعة والثقافة…علاوة عن الحق، والقانون، والفكر، والشريعة…إنها نسيج من كل هذا وأكثر، وبمجرد الغوص في مفهوم من هذه المفاهيم تنفتح دوامة شاسعة من الإشكالات والأسئلة، غير أنها مختلفة عن التي نعرف نحن، إذ الجواب عن كل سؤال يستدعي سؤالا جديدا وهكذا دواليك.

من المعلوم أن العقل لا بد له أن يصل إلى حد ما في مرحلة من مراحل البحث، ويؤكد هذا قول رب العزة في محكم كتابه: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}.
أغلب من حاولوا فتح الباب عن هذه القضية المعقدة -الإنسان- لم يصلوا إلا لنتائج متواضعة تاركين بذلك البحث مفتوحا للأجيال القادمة من بعدهم…
يقول الفيلسوف ألكييه: “الإنسان عقل ولا عقل، شعور ولا شعور، وعي ولا وعي، حرية واستلاب”، هذه الازدواجيات قد تمكننا من اكتشاف الخيوط الناقلة التي تتيح الفهم الجيد لقضية الإنسان، وتجاوز المسافات البيضاء الفارغة التي تشكل موضع الشك في هذا الموضوع المعقد والمركب، وعلى الأقل، فإن المقولة هذه أطرت موضوعا ليس بالهين كما أن الغوص فيه صعب خصوصا مع تضارب الآراء وكثرتها. ومن بين أهم المقاربات التي تصب في موضوع الإنسان، نجد مفهوم “الشخص” والذي يضم بدوره مفاهيم عدة كالأنا والذاكرة ناهيك عن الشخصية، بيد أن لكل مفهوم مقادير ومحددات، بالإضافة إلى أن طبيعة العلاقات بين المفاهيم تتأرجح بين التقابل والتضاد تارة فالتطابق والتمايز تارات أخرى.
الشخص! إنه مزيج ونتاج لعدة عوامل وأحداث، هو مفهوم قائم بذاته ويحوي في طياته مجموع الأفكار والعواطف والرغبات التي تنطوي عليها الذات البشرية في علاقتها مع أناها بدرجة أولى، وفي علاقتها مع الغير باعتباره كائنا نؤسس معه الحياة الاجتماعية ونحيا معه تحت وطأة القانون والعرف وطبقا لنفس ظروف البيئة التي تحيط بنا.
الشخص بنية معقدة يتضارب فيها الأنا الأعلى بالهو حسب فرويد، أما الأنا الأعلى فيمثل مبدأ القيم والأخلاق ويوجه الشخص نحو الصالح من الأمور الدنيوية كما يأمره أمرا بالنأي عن الطالح من الأمور، يسن قوانين صارمة ويهدف إلى السمو بالشخص والترفع به، يلعب دورا نقديا ووعظيا محضا كما يعبر عن شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظا وعقلانية، بل إن الأنا الأعلى هو الضمير الساعي إلى الكمال، من جهة ثانية يمثل الهو مجموعة من الاتجاهات الغريزية غير المنسقة والعشوائية، بل أكثر من ذلك فإنه يقوم بالعمليات العقلية المكبوتة استنادا لمبدأ اللذة ضاربا عرض الحائط مبدأ المنطق الأخلاقي أو الواقع، الهو نموذج نفسي لا شعوري ولا إدراكي ومنافٍ للقيم…
وحسب فرويد، فإن النجاح في التوفيق بين رغبات الهو الطائشة وأوامر الأنا الأعلى المثالية يتم من خلال الأنا بوصفه الصورة الأكثر اعتدالا ووسطية للمرء؛ إذ يعد الأنا وسيطا بين الهو والأنا الأعلى فهو يعمل وفقا لمبدأ الإدراك والشعور كما يمثل منبع الحكمة في الإنسان، يضع الأنا كل الأوامر العقلانية للأنا الأعلى من جهة والرغبات المكبوتة والمنافية للقيم للهو من جهة أخرى موضع اختبار ويعيرها حسب محدد واحد وهو قيم المجتمع والواقع، أحيانا يقوم الأنا بتصريف رغبات الهو وإشباع حاجياته بطريقة متحضرة ملائمة لسيرورة الأفراد في المجتمع ولا تلحق الضرر بالقيم والأخلاق.
يبقى الشخص بنية نفسية مركبة وتحمل ما لا يعد ولا يحصى من الطبائع والرغبات، ما دامت نموذجا ذا هوية خاصة مستمدة بالأساس من طبيعة الشخص العقلية وأحاسيسه وأفعاله بل ومن خلال بعده الروحي كذلك، وهذا راجع بصفة خاصة لكون الإنسان عضوا اجتماعيا يعي أهمية الحياة الاجتماعية، وكونه متفردا واعيا وله حياة ذهنية تميزه عن باقي الأشخاص داخل المجتمع.