الإيمان بالله مغروس فينا فطرة

260

هناك إيمان فطري مغروس في غرائز البشر يخبر صاحبه أن تدبير الكون كله صادر عن قوة غيبية مبهمة المعالم، والمؤمنون بالله الموحدون له إنما يهتدون إلى ذلك بالآيات الكونية لتأييد الإيمان الفطري المجبولة عليه النفوس؛ لأن الأدلة على وجوده تبارك وتعالى إنما جاءت معززة لدلالة الفطرة ومحققة لليقين كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ولكن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الآية [البقرة: 260]، فمع أنه لم يكن عنده شك في أن الله هو الواحد الأحد وهو رب كل شيء، أراد أن يرى أمراً ملموسا ليقوى به ما في قلبه من يقين، وإلا فدلالة الفطرة مترسخة في قلبه كما قال العزيز الحكيم في محكم التنزيل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها﴾ الآية [الروم: 30]، فالناس آمنوا بالله ثم إن الآيات زادتهم إيماناً وأقامت الحجة على من عاند.

والذي يدل على وجود الفطرة الإيمانية في النفس البشرية عقلا ومنطقا ويعزز ما ذكر سلفا، وتتعدد صوره واقعا، أن كل من ينكر وجود الله لا يجد في وقت المحنة غير الله ملجأ وملاذا، والنفس البشرية المجبولة على الإيمان إذا ما حزبها واشتد عليها الأمر لم تجد إلا منطق الإيمان مخرجا ومهربا، وأقوى ما يمكن الاستدلال به على ذلك فرعون مدعي الألوهية والجبروت الذي كان يقول: “أنا ربكم الأعلى” حينما أشرف على الغرق وأيقن الهلاك آمن بالله حيث لا ينفعه إيمانه،

قال تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: 18].

مقالات مرتبطة

وما يبين ترسخ الإيمان بالله فطرة في قلوب الناس كافة، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 172]، أي أن الإيمان هو القانون الأساسي والطبيعي للكون كله، وكل من خلقوا على هذه الأرض سبق وأقروا بوحدانية الله تبارك وتعالى، وبات الأمر مستقرا في قلوبهم مع استكبارهم وإلحادهم ونزوحهم عن منهج الله الواحد الأحد، فذلك كله من غفلتهم عن الفطرة التي خلقوا عليها والمنهج الذي رسم لهم من قبل أن يبصروا الوجود وتتكون لهم القدرة على التفكير والتحليل ليتجرؤوا على اختيار منهج غير منهج خالقهم ومصورهم.

وما نراه من صور النزوح عن الفطرة البشرية، واللجوء إلى الإلحاد، واللادينية والحياة المادية الخالصة لا يعني بالضرورة عدم تحقق فطرية الإيمان عند بعض الناس، وإنما يفهم منه ابتعاد النفس عن الفطرة السليمة بالتوغل في الماديات والانشغال بأمور الحياة، ونسيان الغرض الأساسي من الوجود الإنساني، والمتمثل في عبادته تبارك وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه،

كما قال عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: 56].

والذي يدل على فطرية الإيمان تاريخيا، ملازمة التدين لكل العصور سواء عند الشعوب البدائية أو المتحضرة، حتى قال بعضهم: حيثما يوجد الناس يسكن الدين، كما أن الديانات لم تندثر مع مرور الأزمان، وتغير الظروف والأحوال، وتطور الإنسان في جميع مناحي الحياة، بل على العكس زاد مع مرور الأزمان ونمو المجتمعات وعقل الإنسان ارتباط الناس بالأديان، وخاصة دين الإسلام، حيث أثبت العلم صلاحيته لكل زمان ومكان، وتحقق كل ما جاء في القرآن من البيان، ولا شك في أن الإقرار بوجود الله تبارك وتعالى يسبق التدين بمراحل كثيرة، وهذا دليل قاطع على وجود الله تبارك وتعالى فطرة في قلب الانسان.