الامتنان ملاذ الحياة

ما زلت أتذكر الكثير من الكلمات والمشاهد العفوية، التي شعرت فيها بجوهر الامتنان لدى الكثير من الناس، الذين لم يمتنعوا يوما عن العطاء والدعم مهما حدث ومهما كانت ظروفهم، وإن كانوا هم أشد حاجة بذلك…يفتقدون لأبسط ظروف العيش، لكن البسمة الصادقة لا تفارق محياهم، مهما كان حجم أزماتهم.
هؤلاء من يعرفون السعادة الحقة، فقلوبهم ممتلئة بالامتنان والرضا، لا تسمع منهم سوى الحمد والشكر.

مع مرور الوقت، أدركت أنهم يشعرون بالامتنان لأنهم بدأوا بفهم المعنى الحقيقي لوجودهم في الحياة، قلوبهم ثابتة معلقة وواثقة بما هو آت من عند الله. فأصبحت لديهم خبرة روحية وإيمان قوي لا تزعزعه الظروف. بينما الكثير فقد بوصلته وهو يسعى بجهد وراء أشياء يعتقد أنها الشيء الوحيد القادر على منحه الفرح والاكتفاء، وسرعان ما إن حصل عليها أصبحت بلا قيمة كغيرها من الأشياء الروتينية الموجودة في سلة المهملات، لكن، ماذا لو أننا لم نحصل على ذلك؟

دائما بطبيعتنا نحن البشر نطمح للكمال والمزيد من كل شيء، نسعى للحصول على الأفضل والتميز. لكن القليل منا من لديه اتصال بالنعم التي تحيط به حتى يستطيع الاستمتاع بها، حتى تهنا عن الغاية، وابتعدنا عن ذواتنا بكثير من السنين وانحصر مفهوم الطمأنينة والسعادة في أشياء لا نملكها أو تلك التي لم نحصل عليها.

الامتنان هو من أقوى الطاقات تأثيرا في الكون والتي تغير منحى الأمور رأسا على عقب، تجعلك تشعر بالسكينة الدائمة التي تملأ حياتك وتمدك بالطاقة بشكل دائم، بغض النظر عن الظروف التي قد تكون مصاحبة لتلك اللحظة. لدرجة أنه يثير انتباهك النصف المملوء من الكأس فتشعر أن حياتك بخير خلال تلك المدة، وفي الوقت نفسه أنت تعلم أن ما تبقى في ذلك الكأس سينفذ في يوم من الأيام، نحن من ننظر للأشياء إما بعين النقص أو بعين الرضا.

وطبعا الامتنان أكبر بكثير من كلمة “شكرا” خاصة عندما تقال فقط من جانب كونها سلوكا طيبا وعادة حسنة، دون أن نستشعر معناها الحقيقي، فجوهر الامتنان ليس فقط كلمات بل هو تقدير وملاحظة الأشياء، يكفي أننا نركز على ما نملكه من أشياء أكثر من ما ينقصنا، فما نملكه من نعم لاينتهي…وكلما قدرنا هاته النعم حصلنا على المزيد، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، أما قلة الشعور بالامتنان فيزداد معه الفقد أكثر فأكثر، لتزداد الشكوى والإحساس بالضعف.

ماذا عن الامتنان للأوقات العصيبة؟ “لعله خير”
إذ مضت حياتنا بالشكل الذي خططنا له أو بالأحرى بالطريقة التي لطالما حلمنا بها نكون ممتنين، إذا حصلنا على شيء جميل نكون ممتنين. لكن هذا الامتنان نفسه هو آخر شيء من الممكن الشعور به إذا مرض أحد المقربين…أو عندما لا تسير حياتنا كما نشاء ونرغب.

وبالتاليء قد تعتقدون أن الشعور بالامتنان للظروف الصعبة والأزمات هو شيء متناف مع المنطق. لكن هو الفعل والاختيار الأصح رغم أنه تحدٍّصعب، إلا أنه الطريق المختصر للرضا والتأقلم والقدرة على العيش والتعايش كيفما كان الوضع، ونقطة انطلاق جديدة.

هناك عبارة جميلة تقول: “إن السير في اتجاه جديد يجعلك تعثر على المزيد من الجبن” والجبن هنا يرمز إلى السعادة أو المال أو النعم أو العائلة. يمكنك تذكر التحديات التي شهدتها حياتك، كيف أنك خرجت منها؟ بل وماذا تعلمت منها؟

مقالات مرتبطة

سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: “ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تمكَّن قبل أن تُبتلى”.

إننا في كل ابتلاء مهما كان حجم قساوته نخرج منه بأفضل ما لدينا من طاقات وقدرات هائلة، إننا نتعلم الصبر وقيمة النعم وقيمة أنفسنا، لندرك حينها أن كل ما مضى وكل شيء فعلناه وما مررنا به له معنى خاص “إنَّ العبدَ ليَتَعلَّمُ في ساعَات البَلاءِ؛ ما لا يتعلَّمه في سنين العافية”، كما يقول أيمن العتوم.

عندما يعترض بلاء ما طريقنا نجد أنفسنا في حيرة، إما يتعين علينا دخول دوامة الحزن الذي يجعلنا روحا بلا حياة، أو محاولة فهم أكثر للوضع الذي نحن عليه والنظر بوضوح لإيجابيات هذا البلاء وإن كان مظهره الخارجي يدل على عكس ذلك، فهو يحمل في طياته الكثير من النعم التي تظهر بعد فترة من انتهائه لنخرج بخسائر قليلة مقارنة مع المواعظ والمكاسب، لولا الابتلاء لما عرفنا أننا ضعفاء.

كيف يكون الامتنان؟
هناك عدة تمارين وتطبيقات في الأنترنت لتنمية الامتنان، مثل أن تخصص مذكرة تكتب فيها كل يوم الأشياء التي تمتن لوجودها بحياتك، لكن أهم شيء في البداية أنك تشغل وقتك وتحارب الفراغ، تخلق روتينا بدل استغلال طاقتك في مشاعر وأفكار سلبية تسبب لك نوعا من الخوف والقلق وكذلك الإحساس بالفشل والاستسلام، حاول أن تشغل نفسك بأمور ذات قيمة وابتعد عن الأشياء التي تجعلك فاقدا للتركيز.

فممارسة الامتنان هي صفة تكتسب، وليست صفة فطرية، يكتسبها الإنسان مع مرور الوقت، حين يسعى لتقبل حياته ويحب نفسه ويخصص أوقاتا يمتن فيها للأمور الموجودة وغير الموجودة في حياته. حين يعطي أشياء دون انتظار المقابل.
يمكن أن يكون العطاء تصرفا بسيطا عفوي يتركا أثرا عميقا عند شخص لم يكن يتوقعه منه، فيصبح ممتنا له طوال حياته. كذلك عندما يمنح التقدير والاحترام لأبسط التفاصيل، ويعترف بالجميل في تعامله مع الٱخرين،

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» رواه أحمد .

أيضا من الأمور التي تجعلك أكثر امتنانا أنك تفرح لنجاحات غيرك وتبعد فكرة الحسد، على العكس، كن ممتنا وتقبل إنجازاتك حتى وإن كانت بسيطة.

إذا طبقنا هذه الأمور فحتما سيحدث تغير إيجابي في حياتك ويصبح لديك تقدير واكتفاء ذاتي دون أن تنتظر من شخص آخر أن يمنحك إياهم، بالتالي، نظرتك للحياة تتسع وتصبح أكثر وضوحا.

خلال فترة الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا، يمر العديد بمشاعر سلبية يشتكي من الملل والتذمر بسبب الأوضاع وهذا أمر ليس بغريب، لكن، بينما نحن في بيوتنا آمنين ونشعر بالراحة، غيرنا الآن يلفظ أنفاسه الأخيرة وهناك من هو بعيد عن أهله، وغيرهم من استنفذ كل إمكاناته وطاقته لخدمة الوطن.

فالأشياء التي لدينا لا نشعر بقيمتها إلا عندما نفقدها، فهل كنا نعرف قيمة الدراسة أو العمل أو الخروج من البيوت.. وغيرها من الأشياء التي أصبحت حاليا كل تفكيرنا؟ الكثير منا ينتظر بفارغ الصبر متى تنقضي هذه الفترة وتعود الحياة كما كانت من قبل، يبحث فقط عن الراحة التي أصبحت هي الحرية المقيدة وراء الأبواب حتى إشعار آخر.