الأطفال المتعثرون

في زمان يشجع فيه الطفل القوي والمجتهد، في حين يترك الضعيف جانبا لقلة حيلته ولاستحالة بزوغه. في زمان تسلط الأضواء على الناجحين بينما يظل كل متعثر قابعا في ظلام خوفه، وفي ضجيج أفكاره واعتقادته المزيفة بأنه إنسان فاشل، في زمان احتقرت فيه أرواح حتى دمر مستقبلها سأكتب مقالي علنا نغير أنفسنا من أجلهم.

رسالة إلى كل معلم كان أم مربي، عن تجربة شخصية سأحكي.

صفوف من الطاولات تتوزع داخل القسم، تتشابه في شكلها وفي الخربشات التي عليها، لكن أولئك الأطفال الذين يجلسون بين أحضانها لا تجد أيا منهم يشبه الآخر. في الصفوف الأولى، طفل انتقى بعناية المكان الأنسب له. المقعد الأول ذاك الذي يحجزه منذ بداية العام الدراسي، لا تكاد تلمح في عيونه سوى ملامح رغبة صادقة وحب شغوف للمعرفة، تصرفاته متزنة، وهو محل إعجاب جميع أساتذته، ومحط أنظار جميع زملائه، وحديث كل الآباء والأمهات. لكن الصفوف الأولى لست حكرا على المجتهدين فقط، لأنك قد تجد أيضا طفلا من أولئك الأطفال الذين سنسلط عليهم الضوء في هذا المقال، حتمت عليه الظروف الجلوس في المقاعد الأولى لأنها كانت الاختيار الوحيد الذي يملك، أو لأن الأستاذ ظن أنها الوسيلة الوحيدة لزيادة تركيزه وتحسن أدائه، لكنه، ومع كل المحاولات، يظل يعبث هنا وهناك طيلة الحصص الدراسية، رغبة في تضليل الأستاذ وجلب سخرية التلاميذ تجاهه، فما يكون من الأستاذ إلا أن يرجعه إلى الصفوف الأخيرة، وعلى ذكرها، فهي كما لا يخفى عليكم، دائما ما تكون من نصيب أولئك الذين لا رغبة لهم في معرفة ما يدور في القسم، من بينهم هذا الطفل الذي قد وصل لتوه ليشاركهم إياها، فيتغلغل داخل جهله ويزيد من حدة تطاولاته وألعابه الماكرة.

أعلم أنه لا أحد منكم سوف يتضامن مع هذا الطفل، ولا أحد منكم إلا القليل يعلم حجم ما تقترفه يدانا حينما نهمله، ونجعله يرتاد الصفوف الأخيرة؛ لأنه بالنسبة لنا يستحق بسبب طيشه وقلة رغبته في التقدم، وهو في الحقيقة لا يستحق إلا أن تتاح له الفرصة وأن يذوق لذة العلم والمعرفة التي تقود إلى التفوق فلا تعود تلمح في تصرفاته سوى ما قد ولدت من جديد.

إن الطفل الذي نحاول أن نقتبس بعضا من حياته، والذي أحاول تقريب صورة منها ليس إلا غصنا يتفرع من شجرة لا ترعى أغصانها ولا تحفظهم مما هو محدق بهم، إنها فقط تحمي من يؤتي أكله، وكل من لا يثمر يظل على حاله حتى يسقط أرضا.

الشجرة هنا هي المدرسة، تلك التي تشجع المتفوقين وتجعل لهم دائما هدايا موسمية، أما أولئك المثعثرون فلا يسمع لهم حس ولا حركة، من غير شغب لا ينضب. بالله عليكم، هل رأيتم يوما طفلا كان متكاسلا ثم اجتهد لوحده؟ قليلون فقط هم من يستطيعون إنقاذ أنفسهم والباقي يغرق وينطفئ مكانه إلى أن تمر سنوات ثم يشتعل مرة أخرى بأمر من الله وليس بقدرة أحد منكم، فتراه يحاول أن يرمم ثقته بنفسه، يمسح خيباته من ذاكرته ويداوي الأفكار العالقة في ذهنه الخادشة لروحه؛ تلك التي تكونت مع الوقت بسبب عدم تدخل أي أحد في الماضي لإنقاذه، هو لم يكن مختلفا، فاشلا لا يستحق، إنما لم تتح له الفرصة ولم تكن الظروف لصالحه آنذاك.

أرجوكم! الأطفال المتفوقون ليسوا بحاجة لتشجعيكم، لا أدعوكم لإهمالهم بدعوى تفوقهم، لكن انتبهوا للصفوف الأخيرة، للأطفال المتعثرين وساعدوهم على النهوض.