البحث عن الزوج المفقود في أميركا

كانت موجة هجرة أصابت بلوثتها الجميع في سوريا الكبرى التي ضمت آنذاك (بدايات القرن العشرين) سوريا الحالية ولبنان، ترك خليل حداد ابن قرية كفرنبرخ اللبنانية، زوجته مارتا، الشابة الفقيرة الفاتنة التي لم يتجاوز عمرها 19 عاما، وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية باحثا عن المجد والثراء.

راسل زوجته في البداية، قبل أن تنقطع أخباره بشكل مفاجئ وغامض، فاتخذت مرتا قرارا صعبا وغريبا على امرأة نشأت في وسط صارم ومحافظ كجبل لبنان، ستسافر بنفسها إلى الولايات المتحدة الأمريكية للبحث عن زوجها المفقود ! هل ستعثر عليه ؟ وما الذي سيحدث بعد ذلك ؟




كتاب هذا الأسبوع هو رواية “أميركا” للروائي اللبناني ربيع جابر، عدد صفحاتها 430 صفحة، صدرت طبعتها الأولى سنة 2009، بالتعاون بين المركز الثقافي العربي ودار الآداب، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” دورة 2010، كما ترجمت إلى عدة لغات أبرزها الإنجليزية والفرنسية.

بالفعل، تسافر مرتا إلى أميركا، باحثة عن خليل زوجها، ليأخذنا الكاتب معها في جولة زمكانية تصور لنا عموم أمريكا (أو أميركا كما يحلو للبنانيين تسميتها) في فترة تقارب الستين عاما، منذ عام 1913، إلى أواسط السبعينيات، في رصد ضمني لكل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة التي مست بلدا كالولايات المتحدة الأمريكية، بداية بالحرب العالمية الأولى، ثم وباء الأنفلونزا الإسبانية المنسي والمسقط تماما من كتب التاريخ، أزمة 1929 الاقتصادية، ثم الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

“أشجع الروائيين هم أولئك الذين لا يخشون الكتابة عن بلدان أو أماكن أخرى لا تربطهم بها أية علاقة، وربيع واحد منهم…”. جملة سمعتها من أشخاص معينين تربطهم علاقة وثيقة بربيع جابر وجمعني بهم حوار أدبي غني، وأعتقد بأنها جملة تلخص كل شيء.




قرأت لجابر أول مرة قبل ما يقارب السنة ونصف السنة، روايته “دروز بلغراد حكاية حنا يعقوب”، وذلك في إطار تحضيري لمشروع روايتي الثانية، ومحاولتي حينها الإحاطة بعدد من الأعمال الروائية التي تناولت في مضمونها منطقة البلقان، كدروز بلغراد، “مخاوفي السبعة” لسلافيدين أفيديتش، “جسر على نهر درينا” لإيفو أندريتش، “عذراء سراييفو” لمحمد غالمي وغيرها، وبالفعل أذهلتني الدقة الشديدة لربيع في صنع عوالم روايته وتدقيقه في كل التفاصيل المتعلقة بأماكن لم يزرها وأزمنة لم يعشها، فعلمت عندئذ بأنني أمام روائي “شجاع” لا يخشى خوض غمار “المجهول”، وترسخ هذا اليقين بعد مطالعتي لأميركا قبل أسابيع قليلة، ومع ذلك لم يكتف جابر بهذا الحد، فقد صاغ حبكته في هذه الرواية ببراعة شديدة، بين لبنان ومختلف أنحاء أميركا، بل والأكثر من ذلك، في الجبهة الأوروبية الغربية للحرب العالمية الأولى، وسيبيريا أيضا !

اعتمد ربيع في روايته على تقنية الراوي العليم، فهو الذي يرافق مرتا وباقي الشخصيات ويصف دواخلهم وأفكارهم، لكنه تجاوز هذه الخاصية إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو يروي الأحداث بصفته ربيع جابر الذي يشاركنا في الرواية أيضا أجزاء من ذكرياته هو وذكريات أجداده في جبل لبنان، بل ويتعدى الأمر ليقول في إحدى صفحات الرواية على سبيل المثال متحدثا عن طقوس تربية دودة القز في الأرياف اللبنانية ما معناه أنه لن يتوسع في الحديث عن هذا الجانب ما دام قد فصل فيه في روايته الأخرى “الفراشة الزرقاء” وما على القارئ سوى العودة إليها إن هو أراد معرفة تفاصيل أخرى !

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!

هل عثرت مرتا على زوجها أم لا ؟ طالعوا الرواية بأنفسكم لتعرفوا الإجابة ! فقط تذكروا بأن كل أعمال ربيع جابر عودتنا دوما على المفاجآت غير المتوقعة !
هي رواية مميزة ومفيدة وتناسب جميع القراء، من يبحث عن حبكة ممتعة، ومن يريد أخذ فكرة عن واقع الهجرة والمهاجرين إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين (وهو الموضوع الذي يمكن إسقاطه على عصرنا الحالي)، من يبحث عن مقدمة للبحث في تاريخ أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين (التاريخ المليء بالدروس والعبر)، وأيضا من يحلل النصوص الروائية مكتشفا تقنيات سردية جديدة ومختلفة !

أما فيما يخص مشاركة “أميركا” في جائزة البوكر، فيمكن القول بأن الجدل الصريح الذي رافق هذه الجائزة قد بدأ مع دورة 2010، عندما انسحب بعض أعضاء لجنة التحكيم، احتجاجا على بعض الأمور، التي لخصتها صحف ومهتمون (والعهدة على الراوي طبعا) في إقصاء “أميركا” من الفوز رغم استحقاقها، في وقت حصلت فيه رواية أخرى على اللقب في النهاية !

أعتقد بعد كل ما ذكر أن معظم قراء هذه التدوينات (والقارئات إن تحرينا الدقة) سيركزون على جزئية معينة وسيطرحون على أنفسهم ذلك السؤال المعروف : هل عثرت مرتا على زوجها أم لا ؟ طالعوا الرواية بأنفسكم لتعرفوا الإجابة ! فقط تذكروا بأن كل أعمال ربيع جابر عودتنا دوما على المفاجآت غير المتوقعة !



هذا المقال منشور في الهافينغتون بوست عربي للإطلاع على النسخة الأصلية أضغط

1xbet casino siteleri bahis siteleri