البدايات

إنني أكاد أجزِمُ أن كل البدايات الرائعة والجميلة تخفي في طيَّاتها شراً لا بد منه ونهاياتٍ مخيفة؛ البدايات السّاحرة والهادئة شبيهة بالهدوء الذي يسبق العاصفة، شبيهة بالخصم البريء الذي يُرْديك قتيلا داخل ساحة المعركة فيما بعد!

بداية كل شيء هي الأجمل، البدايات تحمل أمل أن كل شيء سيغدو على ما يرام وأن نهاية البؤس وشيكة؛ إن المرء يحتاج بين الفينة والأخرى إلى بداية صفحة جديدة ناصعة البياض؛ يحاول فيها كتابة جملٍ ذات معنى وأكثر وضوحا وتناسقا وتماسكا من ذي قبل؛ البدايات الجميلة هي الأمل أو لِنقل أنها وهمٌ جميل نهايته غالبا ما تكون مؤلمة أو على الأقل مجهولة ومظلمة، ونحن نغفل ذلك؛ لكن ما باليد حيلة، إذا كان الوهم قد يمنحنا دقائق من المتعة الزائفة، فنحن على استعداد أن ندفع ثمنه وأن نتحمل أياماً من

شقاء النهايات، إن نشوة سيجارة الصباح تشفع لمرارة آخر سيجارة قبل الخلود للنوم!

كل بدايات علاقات الحب جميلة، بداية النجاح رائعة، أول يومِ عملٍ بالزي الرسمي له سحر خاص، أول راتب بعد سنين من العمل الطويل والمُضني؛ بدايات فاتنة ومدهشة شبيهة بفرحة أول خطوة يخطوها طفل صغير وهو يقف مندهشا محدقا في قدميه المنتصبتين بعدما كانتا عاجزتين تماما. فرحة ليلة العيد أفضل من يوم العيد نفسه، ليلة الاستعداد لسفر جديد، متعة أول طائرة تحلق بها في سماء العالم صوب وجهة جديدة، أول مولود نرزق به.

يا لحماس البدايات ويا لطاقة البدايات! لا ينتابني أدنى شك أن جلّ لحظات حياتنا الجميلة ما هي سوى بدايات، الإنسان بطبعه محبٌ ومتشوقٌ إلى البدايات الجديدة، ولعل هذا الشوق يظهر جليا في آواخر كل سنة؛ يتوق المرء إلى عام جديد برقم جديد لكي يشرع في تحقيق أحلام جديدة، لكن سرعان ما تضحمل آماله ويقع ضحية التكرار اللعين من جديد، لكي تنضاف إلى سجل وجوده إخفاقات وأخطاء أخرى تجعله يلعن في آواخر شهر ديسمبر الكئيب سنة قضاها بئيسا عوض أن يلعن خطيئة الوجود القبيح!

لماذا لا يدوم حماس البدايات ولا فرحة النجاحات بعد أيام معدودة من تحقيقها؟ لماذا لا يدوم الإعجاب وسحر أول لقاء وأول عناق؟ لماذا ينطفئ لهيب هاته المشاعر وتغدو في كثير من الأحيان مبتذلة دون معنى ودون طعم؟

الإنسان بطبعه يتعوّد، يتعود على اللحظات الأليمة ومطبّات الحياة والحرمان؛ كما يتعود أيضاً على نجاحٍ باهرٍ سعى وراءه جاهداً لتحقيقه يوماً، فيغدو له روتينا عاديا وشيئا لا يستحق كل تلك الهالة والفرحة والانبهار كل يوم، ربما هو شيء محمود لا بد منه يدفعنا للبحث عن جرعات أخرى لتحقيق النشوة مرة أخرى. لأنه لو تشبثنا بعظمة ذلك النجاح طويلا لن يكون بمقدورنا البحث عن آخر وإنجازات أخرى أكثر عظمة. إن ملل الاعتياد هو ما يدفعنا إلى البحث عن تحديات أخرى وتحقيق انبهارات جديدة غاية في الروعة، روعة لن تدوم طويلا لكي تُستنفذ كاملة مرة أخرى!

الإنسان بطبعه مدمن نجاحات؛ يبحث في كل فرصة عن خطف جرعة أكثر قوة لتحقيق النشوة؛ كمدمن مخدر يبحث في كل مرة عن جرعة أكثر قوةً وتأثيراً لتحقيق النشوة المنشودة بعدما لم تعد أول جرعة انتشى بها يوما كافية، كجراحٍ لم تعد تبهره فرحة أول يوم له بزيه الطبي وأول يوم له داخل قاعة العمليات، وفرحة أول عملية ناجحة له كانت تبدو له إنجازاً باهراً يستحق الثناء، غدت فيما بعد روتينا يومياً تعوّدت أنامله أن تفعلهُ دون دهشة ودون عناء.

1xbet casino siteleri bahis siteleri