البكاء والحزن في حضرة الميت

منذ زمن بعيد من زمن الله، منذ أن كنت طفلة صغيرة لا تعرف شيئا عن الموت سوى أن الميت يفارق الحياة الدنيا ويسافر باتجاه السماء بتذكرة ذهاب دون إياب، كلما قادني القدر لحضور جنازة قريب أو جار وأنا أسمع المعزين ينصحون أهل الميت بجملٍ؛ من قبيل أن البكاء في حضرة الميت حرام، وأن دموع الأهل تعذب الميت في قبره وأن كل قطرة سقطت حزنا على فراق ميت يُحرٓق بها، هل فعلا البكاء محرم أم أنها مجرد أقاويل اعتاد الناس التلفظ بها؟

على سبيل التجربة، شاءت الأقدار يوما أن أكون في قلب العزاء وسمعت الكثير من تلك الجمل والكلمات والعبارات من الأهل والأقارب والمعزين بشكل عام، مع أنني لم أذرف الكثير من الدموع ولم أتلفظ بأي كلمة؛ وقفت شاردة ألمح القادم والآتي بنظرات لا أعرف مفادها، وكلما حاولتْ دمعة أو دمعتين الكشف عن نفسيهما سارع أحد المعزين باحتضاني ونصحي بتلك الكلمات التي لا تسمن ولا تغني من حقيقة الأمر شيئا، وخشية من التسبب في عذاب الميت مع أنني رضخت للأمر ونفذته دون تصديقه والإيمان به دفعني الخوف لذلك طبعا، وسارعت أنا بمسح الدمعتين ومنع الباقي من الخروج، واحتضان حزني بداخلي بكل ما أوتيت من قوة.

مقالات مرتبطة

وعندما بدأ مد الحزن يتراجع شيئا فشيئا لدى البقية ويؤول نحو الجزر، بقيت في مكاني مع حزن دفين منذ ذلك اليوم؛ دُفنت أمي العزيزة تحت التراب ودُفن ترح لم أفصحْ عنه وكتٓمتُه بداخلي، فكل من دُفِن ذهب بدون رجعة، وكل حزن أراد الخروج والذهاب ووجد الكتمان والدفن فلن نستطيع التخلص منه في وقت آخر؛ بقيت أفكاري وروحي مكبلة بخيوط ذلك الترح الثقيل؛ ووقفت وقوف الذي يركب قطارا ولا يعرف وجهته، فلا أستطيع الرجوع للماضي وعيش ألمي كما يجب ولا أملك حق عيش حزن مرت عليه الأيام وكرت عليه الأسابيع وغطى غبار الزمن كل تفاصيله وثناياه. فالدموع التي يتم صدها والتراجع عن إخراجها في الثلث الأخير من ميلادها، لا تغادر ولا تذهب لأي مكان تظل مصرة وعازمة على الانتقام طال زمن الله أم قصر.

مع كل ما يقال في حق الحزن على الميت، تظل مجرد أقاويل ما دامت غير مرفوقة بأدلة تثبت صحتها، فالحزن والبكاء على الفقيد الدائم في ديننا ليس بالحرام وخير من نقتدي به في هذا الأمر هو رسول الله ﷺ حين مات ابنه إبراهيم قال: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْب يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلا ما يُرضي رَبَّنا وَإِنَّا بفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهيمُ لمَحْزُونُونَ». وقال أيضا: «إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بهذا، وَأَشَارَ إلى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ.» أي أنه لا حرج في ترك العين تذرف ما تيسر من الدموع ولا حرج كذلك في ترك القلب يُعبِّرُ عن حزنه كما يشاء؛ فالله عز وجل أيضا طالما أمرنا بحب أحبتنا والإحسان إليهم، فنحن نحزن فقط لمجرد لحظة وداع حبيب أو قريب في سفر على هذه الأرض الفانية، فكيف لا نفعل الشيء نفسه ونحن نودعهم الوداع الأكبر في سفرهم الأبدي؟ الحرام إذا، هو التلفظ بما لا يرضي الله وقول جمل وألفاظ تصب في نهر الجزع من قضاء الله وقدره، ورفع الصوت أو ما يسمى بالنياحة.

وعلى غرار ما هو نفسي، فالحزن يملك درجة منخفضة من سلم الوعي البشري ولا يجب كتمانه وتركه في اللاوعي مع بقايا أزمات قديمة لم تُحل حتى الآن؛ حيث ستبقى الأفكار والمشاعر حول هذه الحوادث القديمة تؤثر في حاضرنا، بل يجب الاعتراف به وتقبله والسماح لأنفسنا وروحنا بعيش لحظة الحزن بمُرِّها وقساوتها حتى نستطيع مع تراكم الأيام السماح برحيله والتخلص من شظاياه شيئا فشيئا، ففي نهاية الأمر، كلنا راحلون يوما نحو الآجلة فلنترك أحزاننا هنا على الأرض العاجلة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri