البوزيترون (3) (مضاد المادة ANTIMATTER)

إذا كان الإنسان يرى وجهه في المرآة، وظله على الأرض؛ فإن المادة لها هذا الشبيه، ويقابلها في الوجود هذا القرين، في جدلية عجيبة ومن كل شيء خلقنا زوجين، فالشيء أي المادة لها زوجين، وتظهر في تجليين المادة MATTER ومضاد المادة (ANTIMATTER).

إن ما عرف عن قوة الانفجار بين المادة وضدها شيء مهول يفوق كل خيال، وهو لحسن الحظ غير متوفر، وبين العالمين المادة ومضادها برزخ لا يبغيان.
إن الحريق الأعظم الذي حصل في غابات سيبريا في منطقة (التايجاTAIJA) عام 1908م مع مطلع القرن أهلك آلاف الكيلومترات المربعة من الغابات الكثيفة، في أفظع حريق عرفته الكرة الأرضية، لم يعثر على تعليل له حتى اليوم، فلم تظهر الأرض بقايا ارتطام نيزك أو مذنب صدم الأرض، فليس هناك أي حفرة تشهد على هذا الارتطام. وتذهب بعض التحليلات اليوم إلى أن خلف هذا الحريق تماس الأرض من سحب من نوع مضاد المادة لمست المنطقة فأدت الى هذا الحريق المروع.

إن القرآن يروي لنا مظاهر تفجر البحار وانشقاق السماء وتفتت الجبال، في تصوير خلاب لا يقترب منه إلا ارتطام المادة بمضادها، كصورة من احتمالات نهاية العالم، في عملية فناء لا تبقي ولا تذر؛ فلمسة رأس سكين لنظيره من مضاد المادة يفجر حريقاً من حجم مائة قنبلة هيدروجينية، تمسح مدناً عامرة بملايين السكان.
يروي لنا صاحب كتاب “سجناء العالم الذري” أن الروس عندما اجتاحوا بعض معسكرات الاعتقال بعد اجتياح الرايخ الثالث وسقوط ألمانيا عام 1945م، عثروا على عالم فيزيائي مهووس بالرياضيات كان يحسب كمية الطاقة، التي تكفي لنقل الكرة الأرضية من مدارها عبر الملكوت، حين نفاد طاقة الشمس، لنقلها لمدار شمس صالحة لمد الأرض بالطاقة والدفء والنور. المشكلة كانت في العثور على طاقة كافية لرحلة من هذا الحجم؟‍!

نعرف اليوم أن أجزاء من الغرام (0,147) من مضاد البروتون يكفي لحمل مركبة فضائية إلى المريخ بدون توقف. وبضعة كيلوغرامات من هذه المادة السحرية تكفي لمد الطاقة على ظهر الأرض عبر القرون؟!

حاول العسكريون وضع يدهم على هذا السلاح المثير الفريد، ولكن تبين أن إنتاج بضع ملغرامات من هذه المادة السحرية يحتاج إلى كل مخابر العالم المتقدمة من مستوى (فيرمي لاب FERMILAB في واشنطن وسيرن CERN في أوربا) تعمل ليل نهار ولمدة 150 مليون سنة؟‍! هذا على الأقل حسب المستوى العلمي السائد حالياً، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.

كان الأطباء أكثر حكمة من العسكريين، بين وظيفة الإحياء والإبادة، وما يستوي الأحياء ولا الأموات. ويبقى السؤال عن بداية خلق مضاد المادة وأماكن وجودها؟

تذهب نظرية الانفجار العظيم التي ترى أن الكون بدأ من لحظة رياضية متفردة، حيث تنهار كل قوانين الفيزياء، وينعدم الزمان والمكان، وتختفي القوانين، ولا أثر للمادة أو الطاقة.

كل الكون كان مضغوطاً في حيز أقل من بروتون واحد، ثم انفجر في أقل من سكستليون من الثانية (عشرة مرفوعة إلى قوة 36) فبدأ المكان في التشكل، والزمان في الحركة، والقوانين في العمل، والمادة في الظهور، والطاقة في التألق.

عندما تشكلت وحدات الكون الأولى كانت من نوعي المادة ومضادها، ولكن التقاءهما كان يعني الفناء المتبادل، الذي ترك أثره حتى اليوم، فيما يعرف بالإشعاع الأساسي، الذي كشف عنه عام 1965م كل من آرنو بنزياس وروبرت ويلسون ARNO PENZIAS & ROBERT WILSON -ونالا على ذلك جائزة نوبل في الفيزياء- ويبدو أن جزءًا ضئيلاً من المادة قد كتب لها النجاة من هذه المحرقة الكبرى فشكلت كوننا الحالي الذي ننتسب إليه، ويميل البعض كما هو في نظرية العالم السويدي هانيس الفين HANNES ALFVEN الفائز بجائزة نوبل إلى نظرية صينية المقلاة؛ حيث يرى أن إلقاء قطرة ماء على سطح الصينية لا يجعل القطرة تتبخر فوراً، بل تتعرض للاهتزاز والتراقص بسبب تشكل سطح حام لها عن السطح الساخن قبل تأثرها بالحرارة وتبخرها النهائي. هذا الحاجز هو الذي يقي عالمنا عن عالم مضاد المادة. هذا على الأقل ما يطرحه العلم ولكن المفاجٱت أكبر من الخيال. ويرى بعض الفيزيائيين أن كوننا المتمدد ليس كل الكون، فكما يلعب الطفل بنفث فقاعات الصابون، فتخرج بالونات وفقاعات مختلفة سابحة في الأفق تتصاعد إلى السماء قبل أن تنفجر، فهناك عوالم أخرى لا يعلمها إلا هو، ومنها عالم مضاد المادة، وهي النظرية التي ترى أن الكون متعدد POLYVERSUM وليس وحيدا UNIVERSUM.

هل هناك مجموعة شمسية نظيرة مثلنا وأرض تشابه كرتنا وبشر يقابلوننا في الأشكال في تلك العوالم المخفية مثل عالم الجن الواعي المغيب عنا؟‍

إن البعد الفلسفي في رؤية الكون من هذا النوع، يظهر أن الوجود أعقد مما نتصور، وأبعد عن إحاطتنا العقلية، وأدعى للتحدي لفهمه، كذلك وأقرب رحما.

مهما يكن من أمر فإن عالماً جريئاً هو فالتر أوليرت WALTER OELERT في معهد سيرن للفيزياء النووية في جنيف، أسعفه الحظ عام 1996م، والتقنيات المتفوقة، والطموح الجريء، والصبر والعناد في البحث، وتخصيص الأموال اللازمة، أن يصل إلى تركيب أول ذرة هيدرجين من عالم مضاد المادة. لم يرها مباشرة، وإنما مرت كالشبح الهارب واللص المحترف، فأمكن ضبط آثارها، التي لم تزد عن عشرين جزءاً من المليار من الثانية الواحدة.

خلال عام 1997م، تمكن العلم من إحداث ثلاث هزات: في البيولوجيا بالاستنساخ، والفيزياء النووية بتركيب مضاد المادة، والكوسمولوجيا بإرساء عربة سوجرنير المتحركة على ظهر المريخ، تتحرك بريموت كونترول على بعد 170 مليون كم، في مؤشرات واضحة إلى تسارع غير عادي للزخم العلمي.

مؤشرات التقدم العلمي كلها باتجاه تحطيم الجغرافيا، وزحف عارم للأنترنيت، وتجاوز العنصرية والدولة القطرية، ودخول الإنسان أفق العالمية والثقافة المشتركة.