التأريخ العربي وإشكالية الزمن الثقافي

“الإنسان يبحث عن ماضيه”، قد يبدو من الوهلة الأولى ولا سيما لغير المهتم بعلم التاريخ أن الامر يتعلق بعبارة مشهورة أو بقول مأثور، لكن المتخصص في التاريخ يعرف أن الأمر يتعلق بكتاب للمفكر أربرت باترفيلد، وهو المؤلف الذي شكل خلفية فكرية لوضع أسس تحقيق الموضوعية في علم من علوم الإنسان. تعتبر الموضوعية إحدى أكبر المشاكل التي تواجه الباحثين في قضاياه.

من هذا المنطلق، وإيمانا منا بأهمية السؤال كحد فاصل بين علم العالم وجهل الجاهل، نجد أنفسنا والحالة هاته أمام مجموعة من الأسئلة التي تطرح نفسها وبشدة قبل أن نطرحها. إذا كان “الإنسان يبحث عن ماضيه” فكيف مارس المجتمع العربي التأليف التاريخي في مختلف مراحل سيرورة البحث عن هذا الماضي؟ وهل استطاع هذا البحث الوصول إلى تاريخانية التاريخ وتحقيق قطيعة إبستمولوجية مع الماضي الميت، بغية وضع أسس لكتابة تاريخية تجعل من إشكالات الحاضر وهموم المستقبل أولى أولوياتها؟ أم أن الحمولة الأنثربولوجية جعلت من تاريخ العرب زمنا ثقافيا راكدا تحت غطاء المجد أحيانا -الذي لا يوجد إلا في وهم الإنسان العربي- أو باسم الهوية أحيانا أخرى؟

إن الاجابة عن هذه التساؤلات -والإجابة وحدها- هي السبيل الكفيل برفع المزدوجتين عن موضوع “التأريخ العربي” ومنه إماطة اللثام عن بعض القضايا التي تخص موضوعا أسال الكثير من المداد من قبل المختصين أو المهتمين -عموما- بعلم التاريخ.

العرب والتاريخ
إن الاهتمام بالأسطوغرافيا، أي تاريخ التاريخ بما يشمله من مفاهيم ومناهج وأصول يبدو قضية فلسفية، تدخل ضمن اختصاص الفلاسفة، فكما لا يهتم طالب الرياضيات بنشأة الدالة ومعنى العدد، ويكفيه التدرب على تقرير المعادلات، فالأمر بالنسبة للمؤرخ لا يبدو أكثر تعقيدا، فالتاريخ صناعة والصناعة تتقن بالمحاكاة. غير أن هذا لا يمنعنا من الوقوف على المفاهيم المهيكلة كمدخل لفهم الموضوع، وعلى رأسها مفهوم التاريخ نفسه، وهو يعني سلسلة الوقائع الماضية -مجموع الأحداث الواقعة فعلا- ويعني في ذات الوقت الكيفية التي تسرد بها تلك الوقائع، وهذا الذي يرتبط أساسا بموضوعنا، وتجدر الإشارة إلى أن التاريخ بشري بالتعريف؛ وهذا ما ذهب إليه المفكر المغربي عبد الله العروي عندما عرف التاريخ باعتباره مجموع العوارض التي كانت تستحق أن تحفظ، وما لم يذكر منها فلسبب عدم أهميته أو لأنه لم تكن له نتائج ظاهرة، بل وذهب المؤرخ إلى فصل الحوادث الطبيعية عن الأحداث التاريخية، في حالة عدم تأثيرها على البشر.

أما العرب كمجوعة بحثية، نؤكد منذ البداية أن موضوعنا يخص المجموعة اللغوية لا المجموعة الدينية، وهذا الفصل مرده إلى دوافع موضوعية لا أنثروبولوجية، على اعتبار أن مجموعات مسلمة شاركت العرب في الإديولوجيا الدينية، غير أن نظرتها للتاريخ مخالفة تمام الاختلاف لنظرة العرب له، وذلك بفعل تباين التجارب التاريخية بين المجموعتين.

مما لا شك فيه أن العرب -عرب العصور الذهبية بتعبير الأستاذ العروي- أبانوا عن قوة على الخلق والإبداع في مجال التاريخ، وخاصة عندما تعلق الأمر بتأريخ الأحداث الدينية؛ إذ يعتبر التأليف الإسلامي إنتاجا عربيا صرفا، لم تتخلل إليه المؤثرات الخارجية (اليونانية والفارسية)، كما هو عليه الحال في الكتابات الفلسفية أو في علم الكلام، بل الأكثر من ذلك، فكلمة “تاريخ” كلمة عربية، والكلمة الأجنبية المقابلة لها “أسطوريا”، مع أن الفرق بين المفردتين كبير، فـ “تاريخ ” العرب اتخذ من البحث عن القوانين والمراقبة والتحقيق وسائل منهجية لتدوين الأحداث التاريخية، بينما ظلت -على الاقل آنذاك- “أسطوريا” الأجانب ضربا من الخيال والميتولوجية، مما جعل العرب يفتخروا بأنهم وحدهم شعب تاريخ وغيرهم شعوب حكايات لا يجد اليقين إليها سبيلا.

إن هذا الإبداع يجعل المتتبع للموضوع يطرح سؤالا مشروعا، ما الظروف التي ساعدت على نمو التأليف التاريخي العربي آنذاك إلى هذا الحد وبهذه الكيفية؟

إن البحث عن إجابة للسؤال تجعلنا نقف عند عاملين مفسرين، أولهما يكتسي طابعا دينيا؛ فالتأليف التاريخي العربي، لا يهدف إلى معرفة الماضي فقط، بل يهدف أساسا لمعرفة الماضي الذي يستنبط منه حكما شرعيا لصالح الأفراد والجماعات، وبذلك كثر في بداية الأمر المؤلفون الفقهاء، وقد شكل النقل والرواية أي شهادة المعاصرين للأحداث أساس السرد التاريخي، وبذلك يكون النقد قد انحصر في نقد الشهادات اعتمادا على أمانة الشاهد. أما العامل الثاني فهو ذو طابع سياسي؛ إذ من المعلوم أن الدولتين الأموية والعباسية مُزقتا أشد تمزيق بفعل العصبية القبلية والصراعات القومية، وهو ما جعل الخلافة بعد تجارب عديدة تهتدي إلى سياسة التعايش بين الجماعات المتصارعة وخاصة في عهد العباسيين، حيث بدأ إدماجها تدريجيا في أجهزة الدولة واستغلال الثروة والنفوذ، مما أفضى إلى توسيع دائرة التأليف التاريخي، ليشمل ماضي شعوب غير عربية، فإلى جانب حياة النبوة والصحابة دونت أخبار القوميات التي خضعت للإسلام من عرب وفرس بل وحتى الروم وخرافات مصر القديمة.

في نفس السياق “العرب والتاريخ” وبعدما توقفنا مع ما سميناهم بعرب العصور الذهبية سنتوقف قليلا هذه المرة مع الوضع الحالي للعرب في البحث التاريخي، والذي وضع الدكتور زريق الإطار الخاص به في كتاب نحن والتاريخ؛ حيث قسم الكاتب الأبحاث التاريخية عند عرب الآن إلى أربعة اتجاهات:

  1. الاتجاه التقليدي: اتجاه حافظ على نظرة المؤرخين القدامى، حيث يلخص تاريخ الإنسانية كلها في تاريخ الإسلام، ويكرس لمبدأ الانانية القومية؛
  2. الاتجاه القومي: يمجد القومية أكانت عربية أو محلية أو اقليمية، يخضع تاريخ هذا الاتجاه لفكرة سياسية مسبقة وأحيانا لسلطة قائمة، يعظم الماضي القومي ويبخس ماضي الإنسانية كجماعة؛
  3. الاتجاهان الوضعي والماركسي: اتجاهان متماثلان في الأسلوب وآليات البحث التاريخي، لكن الأول أكثر شمولية، ويقول بتعدد العلل المسيرة للتاريخ (مادية، وروحية، وسياسية …)، أما الثاني، غير الشمولي، يقول بأحادية العلة في التطور التاريخي
    (المادية).

العرب والزمن الثقافي
إن البحث عن تعريف شامل للثقافة، يقودنا إلى الوقوف عند قول المؤرخ الفرنسي “إدوارد هيريو” الذي خلص إلى أن “الثقافة هي ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء”، صحيح أن المفهوم عام وغارق في التجريد، لكن هذا لا يمنع من اعتماده كمدخل نحلل ونناقش مضمونه في علاقته بالثقافة عند العرب.

مقالات مرتبطة

إذن، يمكننا القول مع هيريو أن الذاكرة الجماعية للعرب بما فيها الذاكرة التاريخية أو لنقل العقل العربي لأنه أكثر دلالة، يتشكل أساسا من مخلفات الثقافة العربية -أي ما بقي ثابتا- وأن ما نسي هو المتغير. إن استنباط هذه القاعدة يضعنا أمام سؤال عريض: ما الذي بقي ثابتا في الذاكرة العربية منذ الجاهلية إلى اليوم؟ إن هذا السؤال يبدو حسب المفكر عابد الجابري وجيها وبريئا، بل وماكرا ومضللا في الوقت ذاته، ويجد المفكر في كون السؤال يخفي ويكتم سؤالا آخر معاكسا آكثر صراحة وآعمق تعبيرا، مبررا لموقفه، نفهم من كلام المفكر أنه عوض طرح السؤال السالف يجب القول: ما الذي تغير في الثقافة العربية منذ الجاهلية إلى اليوم؟ فإذا كان السؤال الأول مسالما بل و “منوما” فإن الثاني سؤال مستفز يمتد إلى أعماقنا الفكرية. وبذلك سنجيب عن السؤال الثاني لأنه أكثر التصاقا بموضوعنا وأكثر مساءلة له.

إن المهتم بموضوع الثقافة والتأريخ عند العرب يدرك تمام الإدراك أن الآثار الفكرية لامرؤ القيس، وعمر بن كلثوم، وعنترة، وابن عباس، ومالك، وسيبويه، والشافعي، والأصمعي، والأشعري، والغزالي، وابن تيمية، والطبري، وابن خلدون وبعدهم محمد عبده ورشيد رضا، وغيرهم من أبطال المسرح الثقافي العربي، عاشت ولا تزال تعيش معنا، كيف لا ونحن تعلمنا القراءة والفهم والاستيعاب والخطاب والمنطق، في جميع مراحلنا التعلمية، من هؤلاء الأبطال الذين ذكرنا بعضا منهم، أنهم بذلك يشكلون ما سميناه سابقا بالثابت في الذاكرة العربية الذي لا يطاله النسيان -التغير- إن الجواب الأولي عن ذلك السؤال المستفز، يجعلنا ندرك أن زمن الثقافة ليس هو نفسه زمن الحوادث السياسية والاجتماعية، بل إن الزمن الثقافي لا يخضع لمقاييس الوقت الطبيعي والسياسي والمجتمعي، وإنما له مقاييسه الخاصة، ذلك لأنه لما كانت الثقافة هي ما يبقى عند نسيان كل شيء، فإن ما يبقى من الثقافة هو زمنها.

إن الزمن الثفافي العربي زمن متداخل، متموج يمتد بشكل لولبي مما جعل الذاكرة العربية تعيش على وقع مراحل ثقافية مختلفة، إن لم نقل متناقضة تعيش وتؤثر في وعلى نفس الفكر. إن ما جعل الزمن الثقافي عند العرب راكد هو كون التصورات والمفاهيم والمعتقدات التي تم إنتاجها خلال فترات مختلفة من التطور التاريخي لم تشكل خلفية فكرية لتلك المراحل، وانما -وهذا ما حدث في غالب الأحيان- تعيش في مراحل تالية إلى جانب تصورات ومفاهيم جديدة تماما، مع الشقة الواسعة بين هذه وتلك، فيعيش بذلك القديم والجديد داخل نفس النظام المعرفي، بل وداخل وعي نفس الشخص، أحيانا في حالة تعايش وأخرى في حالة تنافر تام. في الثقافة إذن، ليس الزمن مدة تحركها الحركة بل قد يحركها السكون كذلك.

في الختام نريد أن نلفت الانتباه لمسألتين أساسيتين فيما يتعلق بجدلية العرب والتاريخ والثقافة:

  1. إن زمن الثقافة العربية زمن أنثروبولوجي رتيب وليس بزمن تاريخاني يلغي اللاحق منه السابق أو يكمله، قد يتساءل القارئ الكريم، أو لم يفصل العرب بين المراحل التاريخية (العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي وعصر النهضة)، أقول: الجواب بالإيجاب، ولكن هذا الفصل سطحي، لا نعيشه في وعينا بالأحداث ولا في تصورنا لها؛
  2. رسوخ الاستعداد للتلقي وغياب الروح النقدية في الثقافة العربية، وهو ما يفسر أن زمن هذه الثقافة يحركه السكون لا الحركة، ولتوضيح الأمر أكثر نطرح مع الأستاذ الجابري بعض الأسئلة الموجهة من قبيل، ما الذي تغير في مختلف العلوم التي تكون النظام المعرفي للإنسان العربي؟ ألم يولد النحو كاملا مع سيبويه؟ ألم تتحدد أصول الفقه مع الشافعي؟ ألم تولد الكتابة التاريخية كاملة أو تكاد مع ابن إسحاق والواقدي؟ ألم تتحدد مسائل علم الكلام مع واصل بن عطاء، والفكر الشيعي مع جعفر الصادق؟ وأخيرا، ألم يعش كل هؤلاء في عصر واحد؟

وفي خاتمة القول اخترنا أن تكون نهاية الموضوع حوارا صحفيا دارت حيثياته بين الصحفي إريك لوران وملك المغرب الراحل الحسن الثاني، وهذا نص الحوار:

الصحفي: عندما تربعتم على العرش هل كنتم مدركين أن ملككم معرض لاجتياز لحظات حرجة؟

الملك: كنت أعلم أن الأمر لن يكون سهلا، والحمد لله أن والدي كان شديد الحرص على أن أتابع دراسات معمقة في الأدب وخاصة التاريخ، هكذا توفرت على قائمة لجميع ما يمكن أن يحصل لي…”

إذا كان هناك شيء يستفاد من هذا الحوار فهو أن علم التاريخ لا يمكنّنا من معرفة الماضي البشري، بل يمكنّنا أيضا من التعامل مع مشاكل الحاضر وهموم المستقبل، إذا ما أحسنّا فن التأريخ.

————————————-
لائحة المراجع:
عبد الله العروي. العرب والفكر التاريخي. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب. الطبعة الخامسة 2006.
عبد الله العروي. مفهوم التاريخ. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب. الطبعة الخامسة 2012.
قسنطين زريق. نحن والتاريخ. دار العلم للملايين. بيروت 1959.
محمد عابد الجابري. نقد العقل العربي 1. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب.الطبعة الثامنة 2000.
الحسن الثاني. ذاكرة ملك. جريدة الشرق الأوسط.