التدين الساذج واختلال تدبير الأزمات

74

في الوقت الذي تتظافر فيه الجهود وتتكاثف فيه الطاقات لنشر الوعي، سواء على المستوى الديني الذي يجعل الإنسان مدركا للأحكام الشريعة في الأحوال الاستثنائية التي قد يضطر إليها الإنسان، لتنظيم سلوكه في القيام بالعديد من الأمور التعبدية ذات الصبغة التجمعية، بسبب ما قد ينتج عنها من أضرار تعصف بكل المجتمع وتسبب أزمة لا خلاص منها.

مقالات مرتبطة

وفي هذا الوقت أيضا الذي تُجيّش فيه المنظمة الصحية العالمية والوطنية مواردها الطبية، لبث أكبر نصيب من الوعي الصحي الذي يجعل الناس قادرين على الالتزام بالإجراءات الوقائية التي تحميهم من هذا الوباء، وتقلل من نشره، يظهر التدين الساذج ليشكل لنا بؤرة من الوباء العقلي الذي يتسبب في العصف بكل تلك المجهودات. إن هذا النوع من التدين يتعارض كليا مع التدين الصحيح الذي يجعل للأزمات حلولا استراتيجية تنطلق من الإنسان وترجع إلى الإنسان، ومعنى ذلك أن التدين الصحيح يجعل حياة الإنسان واستمرارية بقاء نوعه في أعلى المستويات، ملتزما في ذلك بمقررات الشريعة ونصوصها القطعية وقواعدها الكلية التي بلغت مبلغ القطع، بأن حياة الإنسان مقصد وكلية من كليات الشريعة الواجب حفظها من جهتي الوجود والعدم، وأن كل ما يتسبب في عكس ذلك ينبغي اجتثاثه من جذوره.

إن هذا النمط من التدين يجعل الأزمة مهما كانت كبيرة خطورتها على المستوى الوجودي، الذي يهدد بقاء الإنسان واستمرار نشاطه الحياتي بمختلف تمظهراته العملية والعبادية، لا قيمة لها، إذ غالبا ما ينطلق من أسس وهمية تقدم ما يكون حاجيا في حياة الإنسان على ما هو ضروري لوجوده، وتقدم ما يحتاجه الإنسان من احتياجات غذائية أكثر من اللازم، على الحياة نفسها من خلال إعلان حالة من العصيان لقانون الطوارئ الصحي، الذي يهدف إلى الحد من انتشار الوباء والسيطرة عليه قبل انتقاله إلى مرحلة يصعب التحكم فيه، وتجعل من الأعمال العبادية ذريعة لتحقيق ذلك المطلب الذي يتعارض كليا مع الأعمال التعبدية نفسها ومع الشريعة في حد ذاتها، وذلك أن الأعمال التعبدية لها مقاصد روحها تزكية الإنسان وتقوية إيمانه ورفع مستواه العقلي لتدبير الوجود وتنظيم مصالح الحياة، أي أنها تُقام بالشكل الذي لا يتعارض مع هذا الأصل (حفظ حياة الإنسان)، أي أن العبادة قد تكون بدعة وتكون منكرا وتكون خاطئة وتكون غير مقبولة وتكون خطرا، إذا أقميت بغير النظام التي هي عليه في ذاتها التشريعية، إذا أقيمت بسلوك يتعارض مع أصل حفظ الحياة ويتسبب في الكوارث التي لا علاج لها.

وما يؤسف عليه أن هذا النوع من التدين يقوده من لا حظ له في العلم، أو له حظ مختل لم يؤخذ من الطريق الصحيح الذي رسمه أهل التخصص في العلوم والمعارف، وهو ما ينتج عنه نتائج خاطئة، إذا مسار التعلم الذي هو مقدمة ما ينتج لاحقا من سلوكات علمية وعملية في الواقع، لم يكن موافقا لما تقرره مناهج التعلم التي تلتزم قواعد صارمة تضبط العقل الإنساني وتنظر لفعله بمنظار المآل الذي يفرض على أي سلوك نظرا متقدما عليه، يضبط نتائجه وآثاره قبل وجوده فعلا واقعيا، وإن أهم التدابير التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار للحد من هذا الوباء العقلي لتدبير الأزمة التي تعيشها كل الدول وبلدنا على وجه الخصوص، أن تتظافر الجهود من مختلف فئات المجتمع ممن لهم وعي بخطورة المرحلة، ممثلا في ذلك في أعلى سلطة، التي تمثل أمن البلاد وذلك بالأخذ على أيدي الناس وفرض القانون وتنزيل مقتضياته الزجرية في أسرع وقت قبل استفحال هذا الوباء، وإلى كل فئة من أبناء المجتمع، من أحزاب ومنظمات وهيئات وجمعيات وأفراد، كل على حسب النطاق الذي يمكن التفاعل معه دون إخلال بالنظام العام الملتزم بضوابط قانون حالة الطوارئ الصحية، أن يبذلوا ما بوسعهم من الإرشاد والوعي والتضامن والنصح للخروج من هذه الأزمة وتدبيرها على أحسن ما يرام.