التكنولوجيا و التعليم و الانسان

423

يعتقد البعض أن أن علاقة التكنولوجيا بالتعليم هي في استعمالها كوسيلة تسهل التعلم و تقدم المحتوى في حلة جديدة ذكية و تفاعلية و في بعض الاحيان بجودة عالية جدا أكبر من تلك التي نتلقاها و يتلقاها اطفالنا في القسم بما سار يعرف اليوم ب “la réalité augmentée ”
كل هذا الكلام صحيح و موجود و في المستقبل المتوسط و البعيد ستنتشر و تكتسح هذه التكنولوجيا عالمنا و سيتم فيما بعد تدريس أبنائنا من طرف صوفي السعودية و أخواتها، لكنني أود أن أتكلم الآن على ما بعد المستقبل البعيد الذي يجب أن نستشرفه منذ الآن..
علاقة الموضوع بالتعليم و بما أننا تأخرنا عن الركب التكنولوجي لأننا فقط مستهلكون، فيجب التموقع في مجال العلوم الانسانية و خصوصا العلوم التي تهتم بماهية الانسان من جسد و روح و نفس و لا وعي، لأنه و بكل بساطة صوفي و أولادها ستتكلف في العالم أجمع بكل المهن التي نعرفها اليوم و سنتفرغ نحن لبعضنا البعض و هو الشيء الذي لا نعرف له سبيلا اليوم، لأننا و ببساطة لا نجيد فن التعامل و المعاملات الانسانية التي من المفروض أن نكون أفضل من يتقنها، فالجريمة في تزايد، و العنف العائلي و الطلاق و التفكك الاسري و الادمان على المخدرات و الغش و كذلك الاستعمال المشوه لهذه التكنولوجيا في تفاقم…

أن يأتي الامر حقيقة بهذا الشكل أو لا يأتي ليس هو الأولوية التي يجب الاهتمام بها بل موضوع الاهتمام بالانسان هو شيء يستحق أن يوضع في أولوياتنا على المستويات الثلاث التالية : 1الفرد، 2 المؤسسة الأسرية و التي هي نواة المجتمع و الدولة ثم 3 المؤسسة التعليمية التي هي امتداد للدولة.

مقالات مرتبطة

أما على مستوى الفرد، فيجب على كل واحد منا أن يوجد لنفسه نصيبا من المعرفة فيما يخص ماهية نفسه و جسده و روحه و كيف يشتغل اللاوعي داخله، اللاوعي ذلك الشخص الثاني الذي يسكن معنا في نفس الجسد و له أسرار لا يريد البوح بها بل يحاول دائما ما أمكن أن يخفي عنا أنه موجود عندما لا نكون منتبهين أو مهتمين بشيء بل حتى عندما نكون نائمين. كما يحتاج كل واحد منا كذلك أن يعرف نفسه و طبيعتها حتى يستطيع ضبطها و توجيهها و تهذيبها. أما الجسد فهو ذلك الخادم الذي يتفاعل مع المكونات الأخرى و يطيع الغالب المرحلي و ليس له صديق دائم.


أما على مستوى الأسرة فعلينا ان نعلم أولا أنها عنصر محدد لهوية الانسان و طبيعته و جزء كبير من ذوقه المترسّخ الذي يصعب تغييره فيما بعد، لذلك تستحق هاته المؤسسة اهتماما بالغا من طرف الباحثين و المؤطرين حيث يجب على الدولة أن تتكلف بتنظيم دورات تكوينية إلزامية على مدى سنة على الاقل قبل تكوين أسرة يتم من خلالها تأهيل المقبلين على الزواج و اكتشاف الخبايا و الامور العالقة كي لا نرى مزيدا من انتاج كوارث طبيعية و قنابل اجتماعية موقوتة.
أما بالنسبة للمدرسة فمرضها من صحتها هو مجرد مرآة للمجتمع المتكون أساسا من الفرد و الاسرة التي تحدثنا عنها، فللمعلم و التلميذ نفس الخلفية على حد سواء فهم منتوج نفس المجتمع بحمولته الثقافية و المعرفية و السوسيولوجيّة و يستعمل كل منهم نفس قاعدة البيانات التي شربا منها عن طريق الاعلام و الأسرة و المجتمع ككل، لكن موضوع المدرسة أو التعليم خصوصا يستحق وقوفا طويلا عنده و ليس فقط مرور الكرام.

تمكننا التكنولوجيا في المدرسة من تقريب العلوم إلى الفصل بطريقة سلسة و سهلة و لا يحول بيننا و بين ذلك الا أمرين اثنين، مادي من خلال شُح في الموارد المالية التي تمكننا من تجهيز كل حجرة دراسية بحاسوب و مصلاط و ربط بالشبكة، و الامر الثاني سيكولوجي يكمن في جهلنا بالتكنولوجيا في أحسن الأحوال لأن الموضوع سهل و يمكن علاجه بالتكوين و الأصعب هو عقدنا و جهلنا المركب. و أقصد بنحن أي بني البشر بغض العين عن مكان تواجدنا أو جنسياتنا فالموضوع عام.
لقد تجاوزت التكنولوجيا مجال التعليم و حطت رواسيها على مراسي جميع المجالات منها الطبية و الهندسية و العسكرية بل و حتى السياسية و هي في طريقها لتصبح أحد ركائز الحرف و المهن كلها و الهدف من ذلك هو تسهيل الأمور للإنسان و لا يمكننا مخالفة مجرى التاريخ حتى و إن أردنا ذلك.
لم يتبقى لنا الآن إلا اكتشاف ذواتنا وسط هذا و كيف سنساير الأمر كله. فهل سنصبح غرباء عن بعضنا كل في زاويته مع آلاته و تكنولوجياته أم سنواصل العيش و التعايش والنشاط مع بعضنا و نتواصل؟