التناقض بين العبادة والسلوك: ما هي أسبابه ومسبباته؟

أن تلمح إنساناً يصلي وفي نفس الآن تجده يكذب ويغش ويمارس شتى أنواع الفساد الخلقي. هذا الانفصام قد يراه البعض تناقضاً ويقول: لا فائدة من الصلاة إذا كانت لا تنعكس على أفعالك، ألم تقرأ في القرآن أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟! لكن هذا الشخص الذي قال هذا الكلام غاب عنه أن هذه المشكلة بنيوية. كيف ذلك؟

جاء الإسلام بمنظومة قيمية متكاملة يمكن أن تبني مجتمع المدينة الفاضلة الذي حلم به أفلاطون؛ لذلك قال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.» وقد تجسد هذا في مجتمع المدينة الذي بلغ منزلة عالية في الأخلاق الحسنة والتآزر بين المسلمين وبين غيرهم من أصحاب الديانات الآخرى. نعرف هذا، أين الخلل إذا؟

أقول: إن جمالية المنظومة الفكرية التي ينطلق منها الإنسان كمرجع لا تعني أبداً أن تنزيلها سيكون مثالياً. إن الفرد يعيش داخل مجتمع، وهذا المجتمع فيه ما فيه؛ فقد يتربى هذا الإنسان على أن الكذب ذكاء وأن الغش دهاء، وأن المُجد المجتهد مجرد غبي لم يفهم قواعد اللعبة، وأن صاحب النية الصادقة إنسان ساذج يصدق كل شيء. مثل هذه “التحرميات” قد يتشربها الطفل منذ صغره وتكبر معه في لاوعيه، حتى تصبح لديه عقيدة راسخة، وإذا أصبحت هكذا، يصعب جدا على الدين أن يزيل هذه الملوثات، ومن هنا يقع التناقض بين الفكر والسلوك، وبين أعلى مظاهر الروحانية كالصلاة والذكر وأفعال الإنسان الدنيئة.

وبهذا، قد نجد من يعتني بالتدين المظهري، لكنه أفسد الناس أخلاقاً إذا وجدك في حفرة سدها عليك، وإذا وجد فجوة اخترقك منها اختراقاً، وهؤلاء تجدهم ممن يهتمون بالشكليات وبالمخبر دون الجوهر.

وهذا قد قاله النبي ﷺ في حديث المفلس: «إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ.»

مقالات مرتبطة

والذي نستفيده من هذا الحديث النبوي الشريف عدة أمور، منها على سبيل المثال، أن الدين جاء لإصلاح جوهر الإنسان في المقام الأول؛ فإذا غاب هذا المقصد خسر هذا الدين دوره في الحياة وأصبح مجموعة من الصور والزخارف التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فكثرة الطاعات قد لاتنفع الإنسان عند الله إذا لم يسلم من أذى الناس.

وقد نبه كتاب الله تعالى في عدة مواضع منه على خطورة هذا الانفصام، سواء بين القول والفعل أو بين ما يعتقده الإنسان بقلبه وما يفعله بجوارحه، فوجود مثل هذه المفارقات الصارخة تجعل من الشخص كتلة من التناقضات التي لا ينفع معها موعظة ولا تذكير.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ويقول عز وجل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

فهذه الآيات توضح كيف أن الله تعالى نهى عن وقوع التناقض بين الفكر والسلوك أو بين العبادة والفعل؛ لأن هذا مؤشر على أن هذه العبادة لم تؤدي وظيفتها في الإنسان؛ وهي إخراجه من هوى نفسه إلى الطريق القويم والخُلق الحسن السديد.
إن من مقاصد العبادة الارتقاء بالسلوك الإنساني وتعزيز الفعل الخُلقي، فإذا خلت من ذلك أصبحت أفعالا بدنية أو قلبية جوفاء يرددها الشخص بدون أثر يذكر على سلوكه، فالصلاة شرعت لوقاية السلوك من الفاحشة، كما أن الصيام يساهم في تقوية الخشية في قلوب المؤمنين، أما الزكاة فهي تعزز الإحساس بالآخر.

أن يتصالح الإنسان مع نفسه أمر مطلوب؛ لأن ازدواجية الفكر والسلوك وإن نفعك في قضاء بعض المصالح؛ فإنه يفقد ثقة الآخر بك، كما أنه قد ينفره من المنظومة القيمية الإسلامية بسبب تصرفات قام بها شخصٌ يضخم من ظاهره على حساب باطنه.
أختم هذا المقال بقول النبي ﷺ للصحابي سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «قُلْ: آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ.» والاستقامة هنا هي محاولة التوفيق بين التعبد والسلوك الحسن، وتجنب وقوع التعارض بينهما الذي يجلب النفور وإحباط العمل في الآخرة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri