الجزائر بعيون مغربية

0 1٬208

تصفح جواز سفري مطولا ونظر إليّ بتمعن مقارنا الصورة التي أظهر فيها مبتهجا بوجهي الذي تبدو عليه علامات الملل والضجر من سلسلة الإجراءات الأمنية بالمطار ثم سألني : لماذا ستسافر إلى الجزائر ؟

آخر مرة تلقيت فيها مثل هذا السؤال كانت خلال رحلة استكشافية من الداخلة إلى داكار برا مرورا بالحدود المغربية-الموريتانية، ثم الموريتانية-السينغالية، حينها سألني شرطي الحدود نفس الشيء : لماذا ستسافر إلى موريتانيا ؟

ظننت أن إبتسامتي المصطنعة ستكفيني عناء الجواب على مثل هذه الأسئلة كما أفعل عادة… لكنه كرره مرة أخرى. قلت بأنني لم أتلقى مثل هذا السؤال خلال الرحلات الأخرى، فإن كان ولابد من الإجابة عندما يتعلق الأمر بالجيران، فإني ذاهب لحضور زفاف صديقي المغربي بحبيبته الجزائرية… بأن المغاربة والجزائريون يحبون بعضهم ويتزوجون من بعضهم ويزورون بعضهم، بالرغم من الحدود المقفلة والمشاكل المصطنعة والأسئلة المحرجة… رسمت بعدها بإحكام واحترام تلك الإبتسامة المصطنعة لتكون مسك الختام على من يسأل عن سبب وصل الأرحام… فما كان منه إلا أن طبع بإحكام واستسلام على جوازي الأخضر.

من أعز وأصدق أصدقائي سلمان وإسماعيل وإبراهيم وهم جزائريون يقطنون بالمغرب… ومن الناس الذين ساعدوني كثيرا وبرجولة منقطعة النظير حينما كنت في تدريب في فرنسا أو بلجيكا جزائريون… وممن جمعتني بهم علاقة الإبن بأمه إمرأة جزائرية تدعى مدام بندالي، زوجة مسيو بندالي ذو الأصول الوجدية؛ كانت في كل مرة تهديني رواية باللغة الفرنسية وتحثني على التحدث بهذه اللغة التي كانت تتقنها على نحو تام؛ لم يكن لهما أبناء، فكانت تتعامل معي وكأني إبنها تدفعني باستمرار نحو التفوق والتميز في كل مناحي الحياة، وتشحن نفسي دوما بالطاقة الإيجابية وترسم في مخيلتي الشخص الذي ينبغي أن أكون بالرغم مِن العقبات النفسية التي كنت أواجهها آنذاك، وكانت في كل مرة تتحين الفرص خلال اللقاءات العائلية كي تحكي لنا عن حبها للجزائر وما عاناه بلد المليون شهيد من معاناة خلال الإستعمار ومن ضوائق طوال سنوات الفتن العجاف … أحببت الجزائر من خلال كل هؤلاء الأصدقاء الأعزاء ومن خلال محادثاتي الطفولية مع مدام بندالي ومن خلال الصورة الأمومية التي كانت تمثلها بالنسبة إليّ إلى درجة أني ربطت إكتشاف هذا البلد باكتشاف جزء مخبوء من نفسي يسري فوق أرض الجزائر

ازداد حبي للجزائر بعدما بدأت بقراءة كتب الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي الذي استطاع أن يعطي تحليلا دقيقا للنفسية التي تنتج المجتمع المتخلف القابل للإستعمار في كتابه “شروط النهضة” وكيف تمكن من تحليل القرآن تحليلا موضوعيا وتطوير وسائل التفكير في النصوص القرآنية المقدسة على ضوء تطور وسائل العلم في كتابه الظاهرة “الظاهرة القرآنية“… هذا الكاتب الفيلسوف العبقري الذي كان، كمدام بندالي، يتصيد الفرص في فقرات كتبه للتحدث عن حبه للجزائر وعن تاريخ وخصائص والإمكانيات البشرية والطبيعية التي يتميز بها هذا البلد الجار أشعل نار فضولي لزيارة الجزائر

أذكر أيضاً أننا كنا نشاهد التلفزة الجزائرية في العطل الصيفية التي كنا نقضيها في مدينة الأجداد “زايو” أكثر من التلفزة المغربية بحكم القرب من هذا البلد… كما كنّا نشجع الجزائر بصدق خلال الإستحقاقات الرياضية العالمية… وكل مغربي يحس بالقرب أكثر من الجزائري إن كتب عليه العيش في أرض بعيدة بحكم علاقة الأخوة والتلاحم التي فرضها التاريخ والجغرافية… نتشابه في الشكل والكلام والغناء والرقص… نتشابه في نظرتنا للأمور لأننا نستمد أفكارنا من نفس الطبيعة المجتمعانية ونتشابه لنظرتنا لأنفسنا لأننا من نفس التركيبة الجينية… علاقة المغاربة والجزائريين غريبة جداً… علاقة حب دفين لم يكتب له الزواج، لأن هناك خرافات سياسية وخزعبلات جيوستراتيجية وقضية وهمية تتحكم في خيوطها لوبيات تدفع البلدين إلى سباق نحو التسلّح والإقتتال بعدما نجحت في إحكام إغلاق الحدود البرية لأكثر مِن عشرين سنة

وصلنا إلى مطار الهواري بومدين بعد ساعة ونصف من الطيران بضعف الثمن الذي أدفعه للخطوط الملكية المغربية لو كانت الوجهة أوروبية، فوجدنا في استقبالنا عائلة شريفة، زوجة صديقي عبد رحيم اللذين أكرمونا بدارهم أيما كرم حتى ظننت في ظرف وجيز جدا أني بين عائلتي. أضحك في هذا البيت الجزائري من أعماق قلبي وأعلّق بطريقة عصام الشوالي على مباريات المغرب ضد الجزائر التي كنّا نلعبها على البلايستيشن وأقلد مذيعي ومقدمي أخبار الجزيرة وهم ينقلون الأخبار من عواصم العالم ونأكل أطباق السمك اللذيذ في مدينة تيبازة التاريخية ونحن نتبادل النكت وما يكنه كل شعب للآخر من محبة وود.

حضرت زفاف صديقي في مدينة الجزائر العاصمة الذي اختلطت فيه الأهازيج الشعبية الجزائرية بالأغاني المغربية المعروفة، وامتزجت فيه الجلابة والقفطان بالتصديرة والقندورة… ورقص فيه المغاربة والجزائريون فرحا بهذا التآلف والتناسق والوئام… وردد الكل بخشوع أدعية جمع الشمل وتوحيد الكلمة… اللهم اجمع شملنا ووحد صفنا وألف بين قلوبنا، ووحد على الحق كلمتنا، واهدِ ولاة أمورنا، وأصلح ذات بيننا وأبدل همنا إلى فرج وخصامنا إلى وحدة … آمين