الجسيمات الذرية: عالم موجود خارج المراقبة

10

إن الإدراك والمنطق هما أدوات طبيعية لخدمة أغراض الإنسان، وإزالة الغموض عن العالم الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى الإجابة عن الأسئلة شديدة المركزية التي تؤرقه. كما أنها تضمن نوعا من التوازن في الحياة؛ فهي لا تختلف عن الرئتين والكليتين وما إلى ذلك من الأعضاء الحيوية المهمة للجسم. ومع ذلك مازال الإنسان يشعر بنوع من الغموض يحيط به مع تطور العلم، وتطور وسائل الفهم عنده لتطويع الطبيعة وفهم ألغازها. فابتكر الإنسان طرقا وأفكارا جديدة بواسطة التجارب الفكرية، وذلك بتخيل «سيناريوهات» مستمدة من واقع الحياة. لقبت هذه السيناريوهات ب«التجارب الفكريَّة» لفهم حقيقة ما أو إعطائها تثبيتا عقليا يخضع للمنطق.

أزمة الفيزياء الكلاسيكية

في عام 1900 افترض الفيزيائيّ ماكس بلانك Max plank *4 فرضية جديدة وغريبة لحل إشكالية الجسم الأسود في فيزياء الديناميكا الحرارية، فاقترح كمبدأ أولي، أن الطاقة كمية، وأن الذرات في الفقاعة التي تمثل الجسم الأسود، تسلك سلوك هزازات توافقية وأن كلا منها تهتز بتواتر معين، وفي حالة التوازن الحراري تمتص أو تصدر كما من طاقة الإشعاع متناسبا مع تواتر اهتزازها حسب الصيغة الرياضية، مع قبول حد أدنى للطاقة مقداره “h” كثابت طبيعي لا يقبل القسمة، وهذا جديد على النظرية الكهرومغناطيسية الكلاسيكية التي تتيح تغير مستمرا في الطاقة إلى مالانهاية. أي إنه اذا أردت الانتقال من 1 إلى 3 فيتوجب عليك الانتقال في كافة القيم بينهما (1.001 مروراً ب 2.65 وحتى تصل ل 3 حسب قانون الأعداد الصحيحة) لكن كمومية* الطاقة الذي افترضه بلانك الذي يعبر عنه ب”h”، ينص على أن طاقة الجسم إما 1 أو 3، وعند الانتقال بينهما فهي لا تمر من جميع القيم التي بينهما؛ فتقفز من 1 إلى 3 دون المرور من قيمة أخرى. وخلال تفسير إشعاع الجسم الأسود*5، اكتشف عالم الفيزياء ماكس بلانك أنّ الطاقة المنبعثة أو الممتصة عن أي جسم تتصرف بطريقة متقطعة وليست متواصلة، أي على شكل جزمة من الجسيمات تسمى “كوانتا” Quantum، هذا يعني أنّ الإلكترونات لها مدارات ثابتة حول الذرة وأن طاقتها تأتي بشكل منفصل، أي أنه عندما يتعرض الإلكترون للإيثارة أو العكس، سوف يمتص أو يحرر كمية محددة من الطاقة تسمى “كوانتا” مما يعني أنه سوف يقفز إلى مدار أبعد أو أقرب من دون أن يتواجد بين هذه المدارات بشكل متدرج، يعني أنه يوجد في مدار A أو مدار B.

من هنا تحديدا جاء الإشكال العلمي عن مكان تواجد الإكترون، فهل يوجد في مكان واحد أو في مكانيين معا؟

تجربة شرودنجر الفكرية

من بين التجارب الفكرية الشهيرة في تاريخ العلم، تجربة قطة شرودينجر، والمُسمَّاه باسم عالم الفيزياء «اروين شرودينجر». تعرض لعدد من السيناريوهات التي تُستخدَم لفهم نظرية الكم وأسئلة أخرى حول تصور معين عن تداخل الشك واليقين في التجارب العلمية، مع إدراج عدة أمثلة في مقال نشر سنة 1935 من أجل تسليط الضوء على بعض المناطق المبهمة في الفيزياء الكمية، ووضع حلول رياضية مناسبة لبعض مشاكل القياس المطروحة في الفيزياء الكلاسيكية تبعا لتفسير كوبنهاغن *2، الذي طرح مبدأ التراكب الكمي لوضع حلول ملائمة لمشكلة تجربة الشقين المشهورة، بمعنى أن أي جسيم ذري يأخد عدة حالات فيزيائية في الآن نفسه، بحيث يمكن أن يكون موجة وجسيما في نفس الوقت…ولكن عندما يشعر هذا الجسيم أننا نتجسس عليه، وأردنا إخضاعه للقياس التجريبي، فإنه يأخد حالة واحدة فقط لا غير، موجة أو جسيما.

إن ميكانيكا الكم تعد مصدرا كبيرا للمعلومات عن الظواهر ولكنها لا تشير إلى أشياء ملموسة مع إعطاء دور مهم للحدس؛ يجعل هذا من ميكانيكا الكم نظرية معرفية صرفة، هذه النتيجة هي ما رفض اينشتاين بشكل قاطع؛ لأنه كان يرى أن الفيزياء يجب أن تلتمس الحقيقة في الأشياء الموجودة فعلًا.

مقالات مرتبطة

تيار كوبنهاگن

تيار كوبنهاگن هو عبارة عن تيار فكري يعطي تفسيرًا متماسكًا لميكانيك فيزياء الكم la mécanique quantique؛ التي ترى أن الطابع الاحتمالي وعلاقات الشك واليقين لأطروحات العالم هيزنبرغ Heisenberg، تنشأ بالتفاعل بين أجهزة القياس ونتائجها، بين السبب والنتيجة. بعبارة أخرى لا يمكن إهمال تأثير أجهزة القياس على الأجسام التي تخضع للتجربة على المستوى الذري. هذه النتائج بثت نوعا من الضبابية وعدم اليقين في المذهب العلمي الحتمي، بل هددت صرح العلم بأكمله، وطرحت إشكالا فلسفيا؛ لأنها تهدم كل اليقينيات والثوابث العلمية الخاضعة للتجربة، ولهذا كان من الصعب إعطاء تصور متكامل لفيزياء ميكانيك الكم نسبيًا، لأن وصفها للعالم يعتمد على مجموعة من الاحتمالات الرياضية المحضة لا غير…كونها تتأسس على معادلات رياضية جد معقدة تنتج لنا مفاهيم غارقة في الاحتمالية الصارمة لحركة الجسيمات المتناهية في الصغر، وتعطينا وصفا مليئا بالغموض والتناقض. ربما لأننا أعطيناه أوصافا استعرناها من واقعنا وحاولنا إسقاطها على عالم لا نراه بأعيننا، ولكننا نستطيع قياسه، فكان من البديهي أن يطرح العلماء في بداية العشرين أسئلة أساسية عن الوصف الفيزيائي الصحيح للأجسام الدقيقة مثل الإلكترون؟ وهل هو موجة أو جسيم؟
فإذا كان عبارة عن موجة فلماذا نلتقط فقط نقطة واحدة على الصفيحة الحساسة أثناء التجارب*3؟ وإذا كان جسيما فلِم لا نلتقط أكثر من نقطة لنفس الإلكترون؟

اعتبارات مثل هذه تحتم على العلماء الاجتهاد أكثر والإبداع لطرح أفكار مميزة وغير مألوفة.
لكن الجواب يأتينا من نظرية الكم، التي تعتبر أن الإلكترون يسلك سلوك الموجة فقط عندما لا نراه، أما عندما نحاول أن نراه فهو “يتحول” إلى ما يشبه الجسم أو نقطة في الفضاء، وهذا ما يسمى بازدواجية الموجة والجسيم، بعبارة أخرى، عملية القياس لا تكشف عن مكان الإلكترون وإنما تخلق ذلك المكان.

كان للمعادلات الرياضية المستخدمة في ميكانيك الكم نتيجة غريبة على التجارب في المختبر، فلم يعد بالإمكان حساب بعض القياسات الفيزيائية، كسرعة الجسيم ومكانه في نفس اللحظة بدقة (على الأقل حسب النظرية الكلاسيكية)، فحسب نظرية الكم، علينا حساب سرعة الجسيم أو معرفة مكانه بشكل دقيق، ولكن لا يمكن جمعهما معاً. فإن قمنا بحساب أحدهما فإن قيمة الآخر ستكون قيمة غير نهائية ومرفوضة من الناحية العملية.

غرابة عالم الذرة

كان لزاما على العلماء في خضم هذه الغرابة المليئة بالفوضى والتناقضات أن يستعملوا تجارب فكرية لإعطاء وصف رياضي يتماشى مع القياسات في المختبر؛ حيث قام العالم شرودينجر Erwin Chrodinger بتجربة فكرية تسمى في حقل العلوم بقطة شرودينجر le chat de chrodinger، وتقتضي التجربة وضع هذه القطة في صندوق مغلق غير شفاف ولا نستطيع معرفة ما يحدث داخله، كما نضع مع القطة غازا ساما لكن بكمية تكفي لقتل القطة في حالة ارتطام إلكترون بمفتاح السم، وفي حالة عدم الارتطام لا يتسرب السم إلى الغرفة، وبالتالي سيكون لدينا احتمالان: بقاء القطة على قيد الحياة بنسبة 50%. أوموتها أيضا بنسبة 50%. في هذه الحالة لسنا متأكدين من حالة القطة هل القطة حيّة أم ميتة…أو لنقل إن الحالة الفيزيائية للقطة هي حية وميتة في نفس الوقت.

مع أن هواجس العلماء لم يعبر عنها كلها إلا أنها ما زالت مطروحة حين عبر hesenberg عن مبادئه في أول الأمر كان رد فعل الأوساط العلمية والفلسفية العامة هو أن هذه الرؤية تقوم على ثرثرة أو خطأ في النتائج والقياسات. وافترض إينشتاين أكبر القعول ٱنذاك أن أطروحة الكوانتا هي نظرية زائفة ومخطئة بدون أي نقاش.
ويبقى السؤال مطروحا: ما هو وضع قطة شرودينجر…حية أم ميتة؟

تمكن باحثون من ألمانيا وسويسرا في ٱخر التجارب العلمية من معاينة ظاهرة التراكب الكمي la superposition quantique لجزيء ذري ثقيل يتكون من 200 ذرة، تعتبر هذه التجربة بمثابة تقدم علمي كبير، سيفتح باب البحث العلمي في مجال فيزياء الكم physique quantique.
انطلاقا من هذه التجربة نستنتج أن ما جاءت به الفيزياء الكمية، كسر مفهوم العالم الحتمي الذي عمل به الفيزيائيون لسنوات طويلة، ليستبدل باللايقينيات، وأصبح الشك إحدى لبنات العلم الحديث.

__________
1- يعد إرويين شرودنجر Erwin Schrödinger من أهمّ العلماء في مجال الفيزياء النظرية؛ حصد شهرة واسعة النطاق لمساهماته الكثيرة في مجال ميكانيكا الكم، ولا سيما معادلته المشهورة التي تحمل اسمه.
2- ظهر تفسير كوبنهاجن بين عامي 1925 – 1927 على يد ك من نيلز بور وفيرنر هيزنبرج الذي عمل مساعدا له في كوبنهاجن، هو المحاولة الأشهر والأعم لصياغة نظرية تفسر الوضع الكمومي للجسيمات، للإجابة عن السؤال المهم السابق: هل ظهر الإلكترون في مكانين مختلفين في نفس الوقت؟
يؤكد التفسير أن ميكانيا الكم لا تسفر عن وصف الظواهر الطبيعية بشكل موضوعي ولكن تتعامل فقط مع احتمالات الرصد والقياس، ولعل أغرب نتائج هذا التفسير أن عملية القياس تؤثر على سلوك النظام الكمي.
3- تجربة قذف صفيحة حساسة بالكترونات، وأشهر هذه التجربة ريتشارد فايمان.
4- ماكس بلانك، عالم فيزيائي ألماني، يعتبر مؤسس نظرية الكم، وأحد أهم فيزيائيّ القرن 20، حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1918م. قدم بلانك العديد من المساهمات في مجال الفيزياء النظرية، ولكن يشتهر بأنه مؤسس نظرية الكم التي تعد ثورة في فهم الإنسان لطبيعة الذرة وجسيماتها.
5- يعتبر الجسم الأسود في الفيزياء جسما مثاليا يمتص كل موجات الضوء الساقطة عليه دون أن يعكس أي منها. وكما يمتص الجسم الأسود جميع موجات الضوء الساقطة عليه، يقوم أيضا بإصدار جميع موجات الإشعاع الحراري، أي إشعاع الجسم الناتج عن درجة حرارته. ويمكن أن يكون الضوء جزءا منها.