الحبُّ بعدستهم

2

لعل أسمى وأرقى العلاقات بين الرجل والمرأة هي تلك العلاقات القائمة على حبٍّ خالص. فالحب فطرة بشرية متأصلة في النفس الإنسانية المعافاة من الأمراض النفسية التي تدفع إلى البغض والكراهية. والحب بين الرجل والمرأة إنما هو علاقةٌ لا تعرف الثبات، فتبثّ السعادة في النفس تارة والحزن طورًا، وتنم عن يأس صاحبها حينًا وأمله أحيانًا.

وقد شهد الأدب العربي علاقات حبٍّ سُجّلت في التاريخ منذ أقدم العصور، فحالة الحب العميقة الفريدة دفعت بالكثير من الشعراء منذ القدم لكتابة أشعارٍ وقصائد خطَّت بدم القلب لا بحبر الأقلام…فمن منا لا يعرف عنترة ابن شداد الذي كتب في حبيبته أشهر بيت شهر غزلي:

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَـواهِـلٌ *** مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها *** لَـمَعَت كَـبارِقِ ثَـغـرِكِ الـمُـتَبَسِّمِ

فآلام الحب عند عنترة كانت أشد من آلام الجراح النازفة، ما جعل هذه الآلام تخط أجمل القصائد وأعذبها بشكل لائق عفيف…للعصر الأموي كذلك شعراؤه الذين أبدعت أناملهم في تجسيد ما يختلج في صدورهم…وتوالت العصور وصولًا إلى عصرنا الذي أبدع فيه الشعراء في تصوير حالة الحب لديهم، أمثال: نزار قباني وغسان كنفاني وجبران خليل جبران وغيرهم الكثير ممن دفعهم الحب إلى كتابة أشعار ورسائل على ورق المعاناة بحبر الأمل.

وقد اختلفت نظرة الشعراء والأدباء إلى العلاقة الوحدانية مع الحبيبة، فمنهم من رآها حاجة ضرورية وعلاقة حميمة وقَدَرٌ لا يُقاوَم أمثال نزار قباني، فهو كان يرى في الحب شعورًا لا يمكن كتمانه، وتذلل أمامه الكبرياء، إذ تُقدِم المرأة على الإفصاح عنه بكل قوة وجرأة، كما في قصيدته: ماذا أقول له؟

ولكن نظرة أدباء آخرين إلى الحب كغسان كنفاني كانت مغايرة؛ إذ كان يرى أن الحب في أجمل حالاته، هو ذاك الحب الذي يظلّ في دنيا الخيال، دنيا المثال الأفلاطوني، حيث مادّيّة هذا الحب تفقده جماله، تمامًا كما قال شكسبير: “الغزالة جميلة ما دمت تلاحقها، فإذا ظفرت بها زال جمالها”. هو يرى الحب نزعة وميل، ورغبة إذا ظفرت به زال تأثيره وتلاشى واندثر…انطلق غسان كنفاني في حبه من مبدأ: “البعد يزيد الحب بلة”، فكان كلما ابتعد عن محبوبته مسافة، كلما اقترب من الجنون بحبها.

الحب حقيقةً، وبعدستي، لا يقتصر على كونه مشاعر فياضة وأحاسيس لا تنضب، إنما المحبة الحقيقية لا بد أن تُتَرجم بالأفعال، فالمحب الذي لا يؤذي محبوبته بكلمة أو يجرحها، هو المحب الصادق الذي يستحق أن يُبادل حبه بألف حب…فالمحبة أفعال وقودها مشاعر وأحاسيس لا يتسع لها الكون…فصحيح أن الحب هو قدر لا يُقاوم وحلم جميل، إلا أنه لا يكون صادقًا تمام الصدق إلا إذا تترجم بالإحسان والاحترام.

الحب نبض قلب وإحساس، يجعل الإنسان يحلق في سماء الرقي، هو حالة متوارثة من عصور خالية ترجم أبناؤها حبهم بقصائد حوت أجمل الكلمات وأرقاها معنًى…نظرة شعراء مختلف العصور إلى الحب كانت متباينة ومختلفة، ولكن تبقى أسمى المشاعر هي التي تترجم بالأفعال، فمتى سيُترجم حبّنا لأوطاننا وبيئتنا ومجتمعنا؟