الحب في بعد آخر

هو العالم السّلسال، هو الاعتناق لمبدأ أزلي، هو الرضا بالذات، هو شعور دائم وقار يعتري النّفس ويطير بها نحو الأفاق العليا ويحولها لنوتات موسيقية في تناغم لذيذ ومستمر مع الكون القائم من حولها، ويكتشف معه الإنسان معنى جديدا للحياة.
هو شعور الحب الذي يبدأ بحب من لا يفيدون بغرض من الأساس.

أعلم يا صديقي أنك منبهر وأن دقات قلبك تسارعت بمجرد قراءة العنوان، ولا بد أنك سألت حالك من أين لي بهذه الجرأة لتناول موضوع شائك، حيّر الحضارات وأسال حبر الفلاسفة والكتاب وأتخمت به الأفلام والمسلسلات.

لهذا، أحيطك علما بأن ما سأتناوله في هذا المقال سيكون مجرد بطاقة تقنية، لكنها تطلبت مني شجاعة وفيرة لأخط هذه الأسطر المتواضعة من وجهة نظر إنسانية محضة.

يقول الصوفي: المحبوب معتوب، والمحب منهوب، والقلب مصطلم، والنار في الجوانح تضطرم.

بوح الحب بريء وجريء، تتلون فيه الأمنيات الرتيبة وتطقطق السعادة أصابعها. بوحه جامح، يشهد قوته من فعل الإرادة والالتزام.

بعيدا عما هو متداول، أحب لأنني محبوب، هذه المرة أحب لأنني أحتاج إليك، لأنك تحتويني كبركة ماء وفي كل حالاتي وفي كل الطقوس، عبر عالم موغل الضّياع تركب معي أينما حللت وأينما نزلت بشكل استقلالي وذاتي.

كثير منا يبقى كمن يؤيد أن يكتب ولكن بدلا من تعلم فن الكتابة يزعم أن كل المطلوب موضوع يستفز قلمه وحينها فقط سيكتب.

مقالات مرتبطة

الحب في الحقيقة يستوجب منا استثمارا ورحلة حياة شاملة، لكونه موقفا واتجاها للشخصية يجدد علاقتها بالعالم ككل. وكثيرا ما نجد اثنين واقعين في الحب ولا يشعران بالحب لأي مخلوق آخر. في هذا السياق، قيل إنهما يتحدان ويحلان مشكلة الوحدة والعزلة بتوسيع نطاق الفرد المفرد إلى اثنين.

علي أن أتعلم كيف أكون محبا لكل البشر دون استثناء، من مركز وجودي، من نيتي القائمة على تحويل الحزن والمعاناة إلى سعادة دائمة، بإدراك عمق الإنسان لأنه إذا أدركت سوى السطح، فإنني لا أدرك أساسا سوى الفروق الموجودة بيننا من عرق، ولون، وجنس واختلاف في المبدأ والثقافة.

حتى الأم لا يمكن أن تكون أما محبة إلا إذا كانت قادرة على أن تحب زوجها، والأطفال الآخرين، والغرباء وكل البشر.

وفي هذا تكمن الحقية الإنسانية، هنا فقط تكمن الحياة وهنا فقط يوجد أساسا الحب. والحب معاش على هذا النحو هو تحد دائم وتحرك ونمو وعمل مشترك تحت كل الظروف وفي حضور كل المتناقضات؛ الحزن، والفرح، والتناغم والصراع إلى غير ذلك.

إذا أحب كل شخص على هذا النحو أولا، فسعيه للاندماج مع نقيضه في الجنس سيكون اندماجا كاملا لا محالة، سينجح كل واحد منهما في تشكيلٍ لحبٍّ مركب من وجيب قلبيهما؛ كأنه نغمة مزموم عالية أشربت بنغمة حصار مضغوطة بشكل لا يتعدى فيه اللّحن مساحة النغمة، حتى لا يتحول إلى لحن مغاير ويسقط في سوء الأداء المذموم عند أهل فن الحب.

على الرجل أن يتجاوز الأنثى التي فيه وعلى المرأة أن تتجاوز الرجل الذي يسكنها.

في فعل الحب على الواحد أن يتجلى للآخر ويتجلى فيه ومنه وعليه ومعه ومثله في منأى عن مفهوم الحب الكبير والصّغير … هو الحب واحد فقط، يلتف فيه الواحد على الآخر التفاف اللّام حول الألف في لمة ألفة.

في ختام هذا التأطير الوديع، الحب فعل من أفعال الإيمان ومن يكن قليل الإيمان يكن قليل الحب.

والإيمان بالذات كعنصر يقتضي منا الشجاعة والقدرة على المخاطرة والاستعداد لتقبل الألم؛ لأن من يتمسك بالأمان والسّلام، ليست لديه القابلية على أن يحب في الشخص كل الأشخاص، أن يحب من خلاله العالم ونفسه أيضا. وفي غياب الإيمان بالذات ويمضي الإنسان حياته كأوركسترا أضاعت لحنها في سراديب الزمان.