الحب ليس طفلا أخدجا

لعل الحديث عن الحب يكثر وكل يدلي بدلوه في كل زمان ومكان، وكل من زاويته يراه بشكل مختلف، ليس هناك مصيب أو مخطئ. كثيرا ما أجد الأمر أشبه بالقانون الفيزيائي الذي يعتبر أن الحركة والسكون مفهومان نسبيان لأنهما يتعلقان بالجسم المرجعي؛ مثل الأشجار التي تبدو لنا متحركة إلى الخلف ونحن داخل القطار، وتبدو ساكنة لمن هم بالخارج.

لم أؤمن يوما بأن الحب طفل أخدج، يولد بين الفينة والأخرى دون سابق علم أو إنذار، وإنما هو شعور يتولد بمعرفتك بالمحبوب نفسه، ومدى التوافق العقلي والفكري والانسجام الناتج عن تقاطع أفكار الطرفين، ومدى تقبل الاختلاف واحترامه، وذلك لا يتحقق ما دام المحبوب غريبا عنك، لا تعرف طباعه ولا بنات أفكاره؛ حيث تقتصر معرفتك به على إعجاب ظاهري.

الحب، في نظري، لا بد له من اختبارات يمر عبرها ليظهر جليا واضحا للعيان، لا بناء على كلمات رنانة تطرب الأذن لسماعها ويبتهج اللسان بنطقها، إذ لا يعتريه أدنى شك في صدقها، وعند أول امتحان يقف حمار الشيخ في العقبة شاكا في مصداقية مشاعره أو ضاحدا لها بحجة أو بأخرى. “غريبة أو بائعة تناديني حبيبتي أو صديقتي في خضم حوارنا التجاري المحض الذي يخلو من أي رابطة شخصية بيننا”، موقف يتكرر كثيرا في حياتنا اليومية، ولطالما يسائلني: هل الحب بهذا الوزن الضئيل ليطفو على السطح، بلا حسيب ولا رقيب؟

في رأيي، إن بعض الكلمات تكتسي من القدسية ما يجعلها منزهة عن الاستعمال المتداول الذي يرديها كلمة جوفاء، لا تعبر عن أي شيء، تخرج من طرف اللسان لتقال للقاصي والداني على حد سواء.

وفي نفس سياق المفاهيم التي أراها منزهة عن هذا الاستعمال، هو الشوق الذي ظل لصيقا بمفهوم الحب، ولا يتحقق الثاني ما لم يتحقق الأول، أو بالأحرى، هو وليده المدلل الذي إن رآك مصرا في طلبه تمنع، كالذي يسألك عن الشوق ويتمادى في السؤال ما إن كنت اشتقت له، بعض الأشياء لا تطلب أبدا، كهذا السؤال، إن كان الشوق متوهجا فهو لا يحسن أن ينتظر السؤال بل يتدفق صادقا مصدقا، أما إن أتى بعد السؤال فمجاملة وتجنبا للإحراج لا غير. وصدق المتنبي إذ قال: “أُغالِبُ فيكَ الشّوْقَ وَالشوْقُ أغلَبُ” لا يقدر أن يغالب شوقه لمحبوبه مع محاولاته اليائسة لكتم شوقه واستبعاد ذلك الشعور، فالغلبة تكون دائما له وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على قوته وصدقه.

أجد مثل هذه المفاهيم إما أن تكون صادقة وامضة وضاءة أو لا تكون؛ فهي لا تقبل أن تكون باهتة تثار حولها الظنون.

وختاما، هذه تصورات وأفكار رأيتها أقرب للمنطق والواقع والتي ما لبثت تطرق بابي فدونتها، لعلي أكون بذلك وفيتها حقها فتعفيني كثرة التردد، إن علمتني رصصتها خارجا ولن تتوه بعد الآن في دهاليز وعيي ولا وعيي.