الحب والطبيعة

هَبَّت رياح تراقصت على إيقاعها الأشجار، انتفض غبار الأرض وسكن بنو البشر حجورهم، تقاربت الغيوم وتعانقت فحجبت ضوء الشمس، واكتست السماء بلون رمادي يميل بعضه إلى السواد. عم السكون حين صمتت الرياح عن فحيحها، فبكت الغيوم من حر الشوق بعد عناقها، انهالت الدموع حتى غدت أمطاراً تتساقط قطراتها بصوت صاخب لترتطم بالتراب، وتفوح رائحة أفخم عطور الطبيعة، رائحة التراب المبلّل بمياه المطر، إنها رائحة الحب…

الحب الذي يجمع التربة والمطر أساس الحياة، وغياب أحدهما كفيل باختلال موازين الكون. إذا غاب المطر يبست التربة وتشققت أحرفها، وباتت ملامحها باهتة لا تسر الناظرين، لكن حين اجتماعها بالحبيب تُزهر، فتُزهر الحياة في أعيننا، فتُنجب لنا القمح، والذرة، وكل ما يحتاجه البشر من مزروعات.

التربة والمطر وقود الحياة وسبيل الاستمرارية، وحال يومنا هذا يشهد بذلك، فغياب المطر كان كفاية ليغير مسار عيشنا ويضعنا على الحافة مهدّدين بالجفاف، لا سبيل أمامنا إلا تحصين المخزون الحالي لمواجهة السنوات العجاف. زد على ذلك قلة المنتجات الزراعية التي أودت بارتفاع أسعارها على غير المعتاد، ولسان حالنا يشكو ويتذمر، وكأن الطبيعة تخاطبنا بلسان الصرامة لتُعاقبنا على استنزافنا لما كان موجوداً كأنه خالد لا يفنى. 

باتت أراضينا ترتدي (فلتراً) بلون باهت، فأصاب العطش عيوننا للون الطبيعة، وأرواحنا لاستنشاق ثنائي الأوكسجين، لا حياة لنا في غياب ثنائي الحب “المطر و التربة”، فَخِلْقَتُنَا كانت من تراب واستمراريتنا أساسها ماء. الماء يكتسح المساحة الأكبر على وجه الأرض إضافة إلى أنه المكون الأساس لجسم الإنسان، إذ يشكل ما بين 50% إلى 70% من وزن الجسم.

مقالات مرتبطة

صرخة شعب

نحن لسنا روبوتات!

الألم قاعدة

وما كان من رب رحيم إلا أن يغيثنا ولو بعد حين، أتى المحبوب في غير وقته، لكن الأهم أنه أتى، أتى ليسقي زهورنا الذابلة ويحيي أملا بداخلنا، أملا أن دعواتنا تبلغ عنان السماء، وأن مشيئة الله وقدرته أكبر، أكبر من حزننا ويأسنا.

بعد أن يتم إشباع هذه الحاجة الفسيولوجية للإنسان من الماء وكذا الطعام وتأتي الحاجة للحب والانتماء، كما أبان عن ذلك أبراهام ماسلو في هرم الاحتياجات أو كما هو معروف بـ “هرم ماسلو”، أن بالفطرة تنبت فينا غريزة الحب، فالتربة تحب، والمطر يحب، والإنسان يحب، فيبلغ حبه حد العشق، الطفل الصغير يولد متعطشا لحضن أمه، يحبها ويحب محيطه. 

أبلغ مثال عن الحب حبنا لله وتعطشنا لرؤية وجهه الكريم، وحبنا للمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، حبهم فطرة، لا شرط فيها. هذا هو الحب الصادق، الحب اللامشروط، خلقنا وحبهم بذرة تنمو بداخلنا. حبنا لأهلنا ومحيطنا لم يكن شرطا فيه الجمال والكمال والمال، نحبهم بالطبيعة وليس مقابل شيء. 

الشعور بالحب يسهم بشكل كبير في تعزيز هرمونات السعادة كالسيروتونين والدوبامين، والأوكسيتوسين. إننا بجزئنا وكلنا نحب، فكما الماء أساس الحياة، فالحب أساس المشاعر والاستمتاع بها. إذا كان نقص الماء يخلف أمراضا عضوية، فنقص الحب يؤدي إلى مشاكل نفسية وأزمات عاطفية وخيمة العواقب. نحن والطبيعة نحب، فإذا فُقِد المحبوب حل بنا الجفاف شكلا ومضمونا، فلا أغاب الله حبيبا عن حبيبه.

1xbet casino siteleri bahis siteleri