الخوف بين الماضي والمستقبل

عشت من الحياة ما علمني قطرة في بحرها، وأنا في طريقي، مررت بتجارب كان خلالها الخوف عدوي. مع مرور الزمن، تكاثرت هذه التجارب ليصبح الخوف رفيقا لطريقي. ومع تغير عمق هذا، إلا أنه ظل يتقمص نفس الأدوار. فلا زلت أخاف من وحوش، مغايرة فعلا، غير أنها أكثر شراسة من تلك التي اعتاد أن يخافها الصبي في التاسعة من عمره.

أخافُ… أخاف من نفسي، نفس قاسية دائمة التساؤل عن الأشياء، أبسطها نفس تنهاني عن اغتنام الفرص متى كان الشأن فيها قد يحمل إزعاجا معنويا للآخرين، مما يكلفني ثمنا غاليا أحيانا. أتذكر أنني امتنعت ذات مرة عن إنجاز امتحان ذي صعوبة رغم معرفتي كي لا يظنوا أنه مستطاع الإنجاز.

قالوا إن منع الإنسان من النوم أشد طرق التعذيب قسوة فاستجابت لهم نفسي، فما وضعت رأسي على وسادتي إلا وأقبلت تعاتبني على كل فعل، سواء قصدت فيه شرا أو لم أفعل. أخاف من وحشية أحلامي وطموحاتي أيضا. فهي تأخذ أبعادا ضخمة ولا مجال لي للتراجع عنها. أخاف من أن لا أستطيع تحقيقها، مؤمنا أنني سأعيش في ازدراء دائم لحياتي إن لم أفعل. أخاف من الفشل وأنا أعلم أنني لا أجيد تقبل السقوط مع حتميته، سأسقط وأتعود. أخاف حتى من قدراتي، والخوف مزدوج هنا. أخاف من فكرة فقدانها بغتة فلا أستطيع أن أحتفظ منها بشيء، كما أخاف من استيلائها علي واغتراري بها، فلا أعود متحكما في مجرى حياتي طبقا لما وَضَعَتهُ لي نفسي من قيم ومبادئ.

خِفتُ… خِفتُ طويلًا حتى تحول ذاك من رفيق طريقي إلى قائدها، حيث استولى على قراراتي أبسطها واختياراتي أتفهها. خِفتُ حتى أصبحت أخاف من فكرة خوفي. خِفتُ حتى أماتني الخوف حيا. خِفتُ كثيرا كثيرا، حتى أصبحت لا أفعل شيئًا سواه.

بعد طول مخالطة وتفكير، كَلَّفاني أشياء وأماكن، ذكريات وأشخاص، آمالا وآلاما، اكتشفت أن الخوف سلاح لا غير. سلاح للعدو الحق المتمثل في الشك الدائم والمتواصل في المستقبل. فكل ما تم ذكره من خوف ناتج عن ضعف اليقين بمجريات الأحداث وتعاقبها. ويأتي في هذا السياق إسقاط الذات في المستقبل هوية للخائف، تمكنه من إدراك ذاته ومعرفتها بشكل ناقص تمامًا، وحين إدمان ذلك السفر بالذات، يسقط الشخص في حلقة مغلقة تقوده من درجةٍ للخوف إلى أخرى. فلا يمكن للشخص أن يكون هنا وهناك، كما لا يمكن أن يكون في الحاضر والمستقبل، هذا ما يجب تعويد الذات عليه؛ خوض حرب ضد العدو، فإن كان سلاحه التخويف، فسيكون سلاحنا اليقين بالله والنصر لمن اعتمد اليقين بالله عنوانا.

سأخاف…لن أخافَ!