الخوف…ذلك الظل الثقيل

يعد الخوف شعوراً طبيعياً ناتجا عن الخطر أو توقع لتهديدٍ محتمل، يصيبنا تجاه ظروف أو أشياء أو أماكن معينة. إن كلمة خوف، غالباً ما تجلب معها معنى سلبيا في نفوسنا. لكن، أليس الخوف حاضرا في حياتنا منذ ولادتنا إلى مماتنا؟

إننا ونحن رُضَّع نُبدي خوفنا من الأصوات العالية، أو من الحركات المفاجئة، وأحياناً ما يُفزِعنا صوت بكائنا نفسه.

ثم نكبر لنصبح أطفالا، فنهابُ الظلام، واللصوص، والأطباء وبعض الأماكن كالمستشفى، المدرسة، أو أي بيئة جديدة لم نعتَد عليها. ثم نتوجَّس من الغرباء، ويتحول الخوف من الغرباء بعد ذلك إلى الخوف من الانفصال، فنجزَع الانفصال عن أمهاتنا أو من يرعانا.
ونتعلم فنكتسب مخاوف أخرى، كالخوف من الظلام أو الأشباح أو الأشياء الملموسة كالحشرات.

عندما نفكر في الصور التي قد يتجلى فيها الخوف حولنا، نجد طالبا يخاف الفشل في الدراسة، الزواج، العمل أو تحقيق الذات، امرأة أو فتاة لا تكاد تمر عبر شارع فارغ أو مكان مظلم، دون أن تراودها هواجس مختلفة عن مصيرها، إلى أن تصل إلى وِجهتها فتتنفس الصعداء. نوجه أنظارنا إلى ناحية أخرى، فنرى شبابا في حيرة كبيرة، بين اختيارين أو أكثر، وربما بين شيئين متشابهين حد التطابق، فيخاف الواحد منهم أن يختار اختيارا خاطئا فيحدد ذلك القرار مصيره الأبدي.

في زاوية أخرى من مساحة رؤيتنا، نرى زوجاً خائفا ألاَّ يؤمّن مستقبلا محترما لأبنائه، مهاجرٌ تُفزعه فكرة؛ أن لا تتسنى له فرصةُ زيارة وطنه مرة أخرى، مبدع يحترس من التعبير عن أفكارٍ تخالف ما هو شائع، مخافة أن يتعرض للهجوم، طبيب يخشى أن يفقد روحا بين يديه، مريض يُرهبه أن لا تجود عليه الحياة بفرصة ثانية، وفقير يحتاطُ العجز عن تأمين لقمة العيش لأطفاله الجائعين.

ندير رؤوسنا لركن آخر، صوب امرأة تخشى أن لا تكون مثالية أو كافية في نظر المحيطين بها، حبيب يهلع من فقدان من يحب، آخر يخاف أن ينتهي به المطاف وحيدا، لا قريبَ يؤنس وحدته، ولا رفيقَ يلطِّف وحشة الحياة. طَموحٌ يخشى أن يمر قطار الحياة، ويمر معه العمر فيشيخ دون أن يثبت ذاته، أو أن ينتهي إلى اليأس من تحقيق أحلامه. إنسان يرتاع من أن يفاجئه المرض من حيث لا يدري، أو يتربص به الموت فيخطف منه الحياة.

مقالات مرتبطة

مزاجية تخاف أن تكون كلماتها مؤذية، أن تجرح من تحب حينما تغضب، فتخسرهم للأبد. أسير يخاف أن يجتاحه سيلٌ من الذكريات المؤلمة، فيوقظ فيه أحزانا لا يرغب في تذكرها البتة، مؤمن يخاف الله، وعاصٍ ترعبه كثرة ذنوبه.

إننا جميعا بدون استثناء، نواجه الخوف في فترات من حياتنا. منا من يرهبه الاتصال مع الغرباء، أو الحديث أمام الناس، من يؤرقه التفكير في المستقبل والخوف من المجهول. منا من يخاف الحب، من يخشى الأماكن المغلقة، ومن يعاني رهاب المرتفعات. من ضمننا أيضا، من يعاني من القلق الاجتماعي، يخاف ٱراء الآخرين وأحكامهم المسبقة، لأننا بطبيعتنا نحتاج أن نشعر بالتقبّل الاجتماعي. لكن، مِنَّا من لا يعبر إلى الضفة الأخرى ويبقى سجين مخاوفه طويلا، إلى أن يصير الأمر مرضيا.

إن الخوف المستمر أحيانا، قد يتحول إلى مرض، ويمكننا التعرف على طبيعة الخوف من خلال عملية الإدراك والتعلم. وبالتالي، يمكن الحكم عليه إما بأنه خوف عقلاني (منطقي)، أو أنه خوف غير عقلاني (غير منطقي). ويسمى الخوف غير العقلاني بالرهاب، وهو الشعور بخوف غير منطقي تجاه شيء لا يشكل خطراً حقيقيا، ومن تم، يحتاج الشخص الذي يعاني منه إلى علاج نفسي.

إننا في الظرفية الحالية، نواجه الخوف كل يوم، تجتاحنا الأحداث المؤلمة التي نعيشها، فنخاف مثلا؛ أن نكون جزءا من أرقامٍ تظهر على شاشاتنا دون توقف، تعدّ حالات الإصابة بالوباء، بل إننا نخاف أكثر أن يصيب الضر أحبابا لنا فيضرنا أكثر. لكننا رغم كل هذا، علينا أن نتشبث بالأمل وأن لا ندع الخوف يستوطن نفوسنا.

علينا أن لا نسمح للخوف من المستقبل بأن يسرق حاضرنا، ويسرق منا متعة الحياة. أن نعيش لحظةً بلحظة، وأن لا نستسلم للغوص في وحل الذكريات المظلمة، مهما حاولت ذاكرتنا اجترارنا إليها. من الصائب أن لا نجعل الخوف لصيقا بنا، حان الوقت لننفضَ غبار الخوف والقلق عن أحلامنا، وننطلق بخطوات واثقة نحو تحقيقها.

لكل منا مخاوفه الخاصة، لكننا في نهاية المطاف جميعنا نخاف! فالحكمة ليست أن لا نخاف، بل أن نواجه هذا الخوف وننتصر عليه. يقول غاندي: “أول الحكمة أن تعرف الحق، وآخر الحكمة ألا تعرف الخوف.”