الخيبات نعمة

نصطدم في هذه الحياة بالكثير من الجدران القاسية التي تعرقل طريقنا وتجعلنا نشك في أنفسنا وقدراتنا، وعلى أحد الحوائط منها طبعت جملة بخط عريض “خيبة أمل”، من منا لم يرتطم بها ومن لم يتعرض للشعور السيء واليأس الكبير الناتج عنها؟ فالإخفاق هو ذلك التناقض بين أحلامنا، بين مطالبنا وأمل عشناه، وبين ما تحقق في الواقع، والذي لا يمت لخيالنا بصلة.

لو عدنا بذاكرتنا للوراء ودققنا في الماضي البعيد لوجدنا أن الخيبة شعور فطري عايشناه منذ صغرنا عدة مرات، كحينما كنا نحاول أن نتوازن للوقوف، كم وقعنا وكم من خيبة تعرضنا لها قبل أن نستطيع المشي، كمحاولاتنا الفاشلة لنصل لقطعة حلوى وضعتها أمنا في مكان عالٍ، أو للإمساك بالقلم بشكل صحيح من المرات الأولى. هي مواقف كثيرة تناستها ذاكرتنا لكي تستقبل خيبات جديدة تناسب عمرنا وآمالنا التي ما عادت تقتصر على ما سبق من الرغبات البسيطة.

من أكثر الظنون التي تنقلب خيبة في سن المراهقة والشباب هي تلك التي يعقدها الإنسان على شخص ما سواء كان صديقا وضع كل ثقته به أو قلبا أحبه وحلم به كشريك يتقاسم معه حياته؛ فيظهر له كل اهتمامه، يتعامل معه بعفوية، ويضحي من أجله بأشياء كثيرة، ليجد نفسه بعدها أنه أعطى قيمة لأشخاص لا يقدرون ما فعله لأجلهم، تتبعه النفس الطماعة فلم يعد طريق واحد فقط ما يستهوي معظم شباب اليوم، بل أصبحوا متعطشين لتجربة كل المجالات، فيضعون في كل منها حلما، غافلون عن أنهم مجرد إنسان لا يتمتعون بالكمال فهو لله وحده لا شريك له، فيتحطم قسم من الأحلام في بعض السبل ليتجرع المرء ذلك الشعور بالإحباط مرة أخرى، أما مواقع التواصل الاجتماعي فهي مساحة لطائفة ترى كل ما في الصور حقيقة، فتقارن بين حياتها وحياة من تتابع، مما قد يدفع البعض منها أحيانا لتقليد شطر من تصرفات غيرهم وتطبيقها على حياتهم متجاوزين الاختلاف بين نمط عيش وآخر، فيتفاجؤون برد فعل مغاير لما كانوا يتوقعون ها هي خيبة أمل جديدة تضاف للقائمة، وتتعدد وتختلف أسباب خيبات الأمل من شخص لآخر لكن الثابت هو أنه لا وجود لشخص دون خيبة أمل.

مقالات مرتبطة

أظن أن التفكير في أصل الأمر و أسبابه ينقلنا بطريقة طبيعية إلى التفكير في نوع النتائج التي تترتب عنه، والبحث عن حكمة الله عز وجل من خيبة الأمل؛ ففي قانون الحياة لا شيء يحدث عبثا، ويمكننا التنبؤ أن الناس فئتين بعد أي ابتلاء، منهم من يلقون اللوم على الآخرين أو على أنفسهم، يستحقرونها، يقللون من قيمتهم، يميلون للانعزال، يتوقفون عن المحاولة، يكتئبون، ويهملون أنفسهم فيستسلمون، ولن أستطيع أن أعبر بكلماتي دون محاولة تسليط الضوء على حفرتهم السوداء، فاعلم يا من لمست في نفسك علامة من علامات هذه الزمرة، أنك لم تستجب لنداء الله، لم تدرك بعد ما يودك أن تشعر به، انهض بكل ما بك من قوة وانفض غبارك فالدنيا كما تعلم لا تنتظر أحدا ولا تتوقف على فشل أي أحد، تذكر أنك لست وحدك من مر بلحظات قاسية ولا أنت وحدك من جرب الخيبة فهي رفيق كل جسد منذ نعومة أظافره. لا تنس أنه لكل شخص منا ميزة يمتلكها دون غيره ورسالة عليه أن يؤديها في هذه الحياة، وهذا العالم يحتاج لتلك الميزة فلا تقتلها بسبب سواد داهمك لفترة من الزمن، عزز ثقتك بنفسك وقدراتك وتذكر دائما أن العالم يحتاجك ويحتاج بصمتك.

أما النوع الثاني فهو الذي ينظر للجزء المليء من الكأس، يتأمل ما أضيف لرصيده من إيجابيات بعد الخيبة، فلو راجعنا أنفسنا لوجدنا أنه لولا الوقوع لما تعلمنا المشي يوما، ولو لم يخب ظننا ببعض الناس لما استطعنا أن نميز الصالح من الطالح، من يريد لنا الخير من عدمه، ولما أدركنا قيمة الصديق الصدوق ولا قيمة الحب الحقيقي؛ وإن كنت ستسألني يا صديقي القارئ عن كيف تتجنب النوع الأول وتكون من النوع الثاني، فسأنصحك بأن تعيش خيبتك في وقتها ولا تتصنع سعادة مزيفة، أن تترك عيناك تفرغ ما تحمله من دموع لكن دون إفراط، فبمجرد شعورك أن داخلك قد ارتاح، امسح دمعتك وانهض فالحياة أمامك، اربط نفسك دوما بخالقها.

أن تستشعر النعم الصغيرة التي وهبها الله لك فالسعادة تكمن في البساطة، وأن تعتني بنفسك وتقدرها فهي سندك في هذه الحياة؛ ويوما بعد يوم ستكتشف أنه في جوف الخيبة تغفو النعمة، فلا تكن ممن يغني لها بالبكاء والتوقف عن المحاولة على العكس كن ممن يوقظها بالأمل، الإصرار والعزيمة، وصحيح أنه لا وجود لطرق سحرية تحميك من الخيبات فهي ضرورة محكمة، لكنني أضمن لك أن تأثيرها سيقل لو تأملت نعمها وسألت نفسك ماذا أضافت لي هذه التجربة عوض السؤال عن سلبياتها وعن الضرر الذي لحق بك بسببها.

1xbet casino siteleri bahis siteleri