الدراسة في زمن كورونا

عيون خاشعة، ساجدة لخالق الكون: اللهم اصرف عنا هذا البلاء يا أرحم الراحمين. محنة وستمر، سحابة كآبة وستزول، لكن الأثر الذي ستسفر سيثقل كهولنا وسيتربع على عروش أذهاننا. لكن ماذا عن الآن؟ عن هذا الروتين الذي نعيشه ساعة بساعة، عن أخبار الإعلام التي تدب السأم في النفوس…وتتوالى أيامنا يعلوها الخوف من المجهول. وهذه أبواب المدارس قد أغلقت، صدمة شلت الكثيرين، فما كان يخطر بالبال بأن الدراسة ستعلق، وبأن المؤسسات ستغلق بواباتها، ليختلجنا حنين المقاعد وصوت حارس الباب وهو على وشك إغلاقه في وجه المتأخرين من التلاميذ، أصوات تعلو باحة الثانوية وجرس يرن معلنا آن بداية الحصة. لم يكن ليتصور البال يوما أن العطلة التي نتوق للحصول عليها ستصبح جملة أيام يكسوها غطاء قلق قاتل. عالم فارغ، زقاق خاو يتردده صوت “الصطافيت” من حين إلى آخر لتلم كل متسكع غير آبه بالوضع الراهن. وها هي ذي في عزلة تامة، محاطة بجدران غرفتها الشاهدة على أدعيتها الليلية، ووسادتها التي تحضن دموعها الذارفة، وقلمها الفائض بكلمات تلميذة بالباكالوريا تعاني الأرق، منشغلة التفكير في نهاية العام الدراسي. لكن متى تحل نهاية العام الدراسي؟! هنالك أمامها طاولة تعج بالكتب، وهاتف يضج برسائل مجموعات “الواتساب”… إنه التعليم عن بعد، أطلقته وزارة التربية والتعليم إثر تعليق الدراسة كبديل للمقاعد.

ها هي ذي تتابع دروسها وتعلق آمال نجاحها على أدويوهات الواتساب من أساتذتها ومنصات التعليم بالأنترنت كي تسد ثغرة القلق الذي ينهش روحها، الذي خطف النوم من على جفنيها، والذي كان العلة الأولى للكوابيس التي تخترق مخيلتها. إنه كآبة جامحة أغلقت عنها منابع الأمل ففتحت لها أبواب اضطراب نفسي. وتؤنس نفسها بحنين أيام كانت ترتدي فيها حقيبتها متوجهة للثانوية، وعلامات عبوس تعلو جبينها لأنها أفاقت مبكرا، وها هي تتمنى العودة لتلك اللحظات حيث يخترق شعاع الشمس جفونها وتمر على وجنتيها نسمة برد، وتسرع للحاق بباب المدرسة وهي تدس على أوراق الأشجار اليابسة تطربها خشخشتها. تتذكر هذه الأيام وبسمة تعلو شفتاها، دمعة تسيل على خدها، تحاول الصمود أمام ضوضاء أفكارها. ولم لا، فالسواد طال بالها، والقلق أتعبها، وما تزال تشك إن كانت أمنيتها في ولوج المدرسة العليا التي لطالما حلمت بها ستتحقق أم سيدسها فيروس كورونا داخل أرشيف الماضي ليبتلعها النسيان. ”فلاش باك” ممتع تؤنس به أيامها وهاهي ترفع يديها داعية لزوال هذه الأزمة.

مقالات مرتبطة

هي تلخص حالة تلاميذ السنة الختامية، هي تروي حكاية جيل باكالوريا 2020 وتجسد ملحمة نفسية يخوضها آلاف المتمدرسين، تفصح عن يومياتهم المغفول عنها.

إنها عيون تنتظر بشوق غامر انتهاء كابوس كورونا وبداية لفصل جديد زاهر بأمل العودة للصفوف الدراسية لتسترجع أرواحها، فبدونها أصبح التلامذة كجثث تستيقظ على رنات الهواتف وتنام على صوت الكوابيس المطاردة، فشبح القلق لا يلبث يصطاد الأفكار وسيستمر في الاصطياد إن لم تشمر السواعد من أجل أن تزرع الأمل في نفوسهم. لقد سرقت مشاكل الاقتصاد والصحة الأضواء، ليلبث رواد المدارس في ظلمة قاهرة. جرفتهم أخبار فيروس كورونا إلى حافة المجهول. إنها أرواح تستغيث فلا تغفلوا عنها ببصيص أمل يساعد على الصمود، فشمس الفجر ستشرق يوما لكن نخاف أن يكون الظلام قد سرق الكثيرين ممن وخزهم شوك كابوس كورونا فارتموا على الأرض رافعين الراية البيضاء.