الدنيا الفانية

إن الحياة تبدو في ظاهرها كالبحر الهادئ المتلألئ ماؤه تحت أشعة الشمس، لكن باطنها بحر مسجور التعامل معه صعب والتأقلم معه يتطلب جهدا كبيرا من بني آدم؛ ذلك أنه تنجلي فيها آلام عدة مادية كانت أو معنوية ويبقى أشدها ألم الفراق.

يسدل الستار على أشخاص من محيطنا في رمشة عين وسط ذهول أقربائهم وأصدقائهم، كيف لا وقد قيل في الموت أنه أشد ابتلاء يصاحب مرافقي المتوفي. كيف لا وهو السبب في فقدان أعز من لديك في هذه الدنيا. كيف لا وهو نهاية ظهور من أثروا فينا ومن كان لهم الوقع الأكبر على حياتنا. هو عبارة عن طريق يسلكه الآدمي مودعا بذلك أحبابه وأصدقاءه وكل الدنيا، مقبلا على مرحلة جديدة من الحياة وهي حياة البرزخ.

فطوبى لمن بنى داره في البرزخ بأعمال وذكريات يذكره بها الناس وملائكة الرحمن بالخير، ويا أسفاه لمن جعل بنيانه على حافة الانهيار جراء ما كان يفعله في حياته. فكما قال علي بن أبي طالب:

مقالات مرتبطة

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها *** إلا التي كان قبل الموت بانيها
فـإن بـنـاها بـخيـر طاب مسكنها *** وإن بـنـاهـا بـسـوء خـاب بـانيها

ولا يسع الإنسان بعد الموت إلا أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون، وأن يدعو لمن وافتهم المنية بالرحمة والمغفرة،  لكن يبقى الدرس الأكبر الذي وجب استنباطه من الموت هو أن الدنيا فانية، ففي أي لحظة كيفما كانت ووقتما حانت يمكن أن يفارقنا أعز شخص نملكه في حياتنا، وسط ذهول وصدمة كبيرين.

فلنضع الموت دائما نصب عينيك ولنكن مستعدين له لأنه ثابت ليس بمتغير وحدث واجب لسنا فيه بالمتخيرين. ولنعش حياتنا بأجمل لحظاتها وأتعسها، متطلعين دائما إلى قضاء ما تبقى من حياتنا في أبهى الحلل وأجمل الصور، ولنكن دائما فاعلين في الخير، من دون حقد على أحد، فلا نحن ولا الآخرين يدرك متى ستنقل إلى حياة البرزخ. ونساعد من هم بحاجة للمساعدة، ونحافظ على صلتنا بخالقنا عن طريق الصلاة ولنستعن بديننا في كل صغيرة وكبيرة، نعش بذلك حياة دنيوية جميلة ونبني أسسا متينة وقوية يرتكز عليها مقامنا الأبدي بعد الموت.

ولا أجد أبلغ من وصف خليفة المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لمجريات الحياة بعد الممات: إنما المكارم أخلاق مطهرة؛ الدين أولها، والعقل ثانيها، والعلم ثالثها، والحلم رابعها، والجود خامسها، والفضل سادسها، والبر سابعها، والشكر ثامنها، والصبر تاسعها واللين باقيها، والنفس تعلم أني لا أصادقها ولست أرشد الا حين أعصيها، واعمل لدار غدا رضوان خازنها والجار أحمد، والرحمن غاشيها وخير ما أختم به هذه الخاطرة: رحم الله من و دعنا إلى دار البقاء ومن لا زال معنا في هذه الدنيا الفانية.

1xbet casino siteleri bahis siteleri