الساعة السادسة مساء بتوقيت كورونا

لم يكن للساعة السادسة مساء أهمية كبيرة في الحياة اليومية، إلا إذا كانت مرتبطة بموعد أو لقاء، حتى غدت في أيامنا العصيبة ساعة انتظار وترقب، ساعة تشرئب الأعناق وتنتظر إطلالة مدير مديرية الأوبئة بوزارة الصحة على وكالة المغرب العربي للأنباء ليطلعنا على الحصيلة الوبائية بالبلاد. على الساعة السادسة مساء، ساعة تربص وإصغاء، واستبشار خير وخلاص من هذه الجائحة التي فرضت علينا حجرا منزليا إلى أجل غير مسمى بكل قوتها وجبروتها.

عقارب الساعة تتوقف عند الساعة السادسة مساء، لتستمر في دورتها عند انتهاء الندوة الصحفية أو انتهاء إطلالة مدير الأوبئة. لقد بدت ميقاتا مهما، داخل دورة الزمن وعقارب الساعة. ما بعد الساعة السادسة مساء بدقائق، تتواتر على مواقع التواصل الاجتماعي ما حملته الندوة من أرقام ونسب وأخبار، وتحليل لا يخلو من أمل للخلاص والعودة إلى الحياة اليومية بكل رتابتها واعتياديتها.

الساعة السادسة مساء ما قبل كورونا، كانت مجرد رقم في عقارب الزمن، كانت تمر دون أن نلقي لها بالا، ودون أن تشي بشيء، اليوم ميقات معلوم لدى الجميع. كورونا أضحت تجمعنا جميعا وتجبرنا على أن نتحلق حول شاشات التلفزة أو شاشات هواتفنا لمعرفة ما استجد من مستجدات حول فيروس يدوس بحوافره وينشب أظفاره لينقل فتكه وجبنه في كل جسم يصادفه خارج الحجر المنزلي.

ضغط رهيب وحرب نفسية وحالة للطوارئ وإجراءات احترازية لمقارعة عدو خفي غير رحيم، صدق نجيب محفوظ في قولته الأثيلة: “الخوف لا يوقف الموت ولكنه يوقف الحياة”، لقد أوقف الخوف والهلع الحياة، وأوقف الزمن عند عقارب زمن كورونا، وحده كورونا استبد بنا وبأحاديثنا ومزاحنا، الحياة توقفت عند عتبته، أمسى مرادفا للموت والردى يدوس بحوافره كل الأعمار، لا يحترم فينا كبيرا ولا صغيرا ولا سقيما.

يمر الحجر المنزلي بكل رتابته ولا جدة فيه سوى الساعة السادسة مساء، لعلها تكون ساعة بشرى وانتصار على جائح غير مرئي، غير كل عادتنا ورتابتنا، غير مسرى ومجرى الحياة.

رجعنا إلى دفء الأسرة، رجعنا لاكتشاف ذواتنا من جديد واستجلاء ما كان ثاويا بفعل الغور في متاهات الحياة التي لا تنتهي، انجلت العديد من الغيوم التي كانت تحجب المستقبل والأفق المنتظر، واكتشفنا أولى الأولويات التي ينبغي الانكباب عليها، منح لكل فرد فرصة جديدة للحياة إذا كتب له النجاة منه، منح للدولة والعالم فرصة للبناء الجديد وترميم ما يمكن ترميمه.

لا يمكن الرجم بالغيب لما بعد كورونا ولا التكهن بما سيحدث ما بعد الجائحة، ولكن الحياة لن تعود كما كانت، ستعود الساعة السادسة مساء بدون أهمية، وستظل موشومة في الذاكرة ومحفورة في التاريخ تحكى للجيل القادم، يتحلق حولنا ونحكي له زمن وباء كورونا الذي عصف بكل الأمصار والأقطار، سنحكي لهم ترقبنا على الساعة السادسة مساء، ونروي لهم طوق الوباء الذي فرض العودة للمنازل.