الطريق إلى كابول

يحدث أن نلتقي بأناس نستمتع بالدقيقة والثانية أثناء محادثتهم ومناقشتهم لنا، لا تنفك تنزع أفكاراً أصابها الهرم في عقولنا، وإن لم نقل أنها تغير طريقة تفكيرنا ونظرتنا للحياة…إنهم أناس أضاءت شمعة الوجود حياتهم، فباتت أشراك اليأس لا تجد سبيلاً لقلوبهم، والخيبات العابرة لا تقف حجر عثرة في طريقهم، فشرارة المعرفة التي احترقوا بها قوَّتْ شوكتهم، وتجارب الأسفار التي خاضوها شكلت بوصلة مؤشرها المغناطسي يدور بحرية ليوجه نفسه بدقة، فيحول بينهم وبين الهيام الذي أصاب الكثيرين وجعلهم ينساقون وراء العيش لذواتهم فحسب.

هم دائماً يرسمون للحياة مستواها الجميل في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، معتقدك أو توجهك ليسا من أولوياتهم، أما العرق والدين فلا يلقون له بالاً؛ لأنهم تشبعوا باعتقادٍ واحد؛ الإنسانية قبل كل شيء، فنشأوا عليه وعاشوا من أجله وسيموتون دفاعاً عنه.
التقيت “دارين” في نفس المعهد الذي أرتاده، لم نكن ندرس في نفس الصف، فقط أراه في أوقات الاستراحة، ملامحه لم تدع للشك بصيصاً في تحديد خلفيته الٱسيوية، وجه خال من الشعر ورأس بشعر ناعم، أما الأعين فهي الصغيرة المميزة التي لا يمتلكها إلّا من ولد في تلك المنطقة الجغرافية، كلها مؤشرات ترمي إلى أنه ابن أحد دول شرق ٱسيا.
ملكة الاستكشاف داخلي لم تمهلني الوقت الكثير حتى وجدت نفسي أسترسل معه في الكلام، كان لطيفاً وبدا أنه يشاطرني نفس الاهتمام في التعرف والانفتاح على ثقافات أخرى، تبادلنا أرقام الهواتف واتفقنا على اللقاء في وقت لاحق، تبين من خلال المحادثة القصيرة التي دارت بيننا أنه من كوريا الجنوبية، شعرت أن الحوار سيكون معه شيقاً كفاية ليسقي ضمأ صوم الفضول الذي ينتابني، فبلاده تعد بلد المراكز الأولى بشكل مستفز، فهي صاحبة المركز الأول كأحسن نظام صحي في العالم والثاني كأكثر الدول تسجيلاً لحالات الانتحار.
في مساء اليوم ذاته اتصل بي “دارين” ليخبرني أنه ينتظرني في إحدى المقاهي، ذهبت في الحال فوجدته يستقبلني بعبارة قالها بالعربية لكنه تلعثم في نطقها “السلام عليكم”، أخبرني أنه قضى سنة كاملة في عاصمة أفغانستان، تلقن في خلالها أساسيات اللغة البشتوية وتعلم الكثير عن عادات وتقاليد المسلمين، باشر في سرد أحداث قصته المتشعبة بينما أنا كنت مذهولاً كمن شارف على مشاهدة فلم دون الاطلاع على عنوانه.
مقالات مرتبطة
يقول دارين: بعد تخرجي من جامعة “كورنيل” في أمريكا، قررت أن أضع للعمل التطوعي جزءاً في حياتي، فانضممت إلى منظمة غير ربحية تنشط في عدة مجالات إنسانية واجتماعية، هدفها الأول هو نشر العلم ومحاربة الجهل في الأوساط الفقيرة والدول المنكوبة أو التي خرجت لتوها من حرب، ساعدني إتقاني لعدة لغات في ولوجها بسرعة، وفي نفس السنة تمّ اختياري ضمن مجموعة من الأعضاء للذهاب إلى مدينة كابول وتدريس اللغة الإنجليزية هناك، بدا لي الأمر في الأول كتوقيع على شهادة وفاتي، ففي السنوات الأخيرة قلَّ وجود الأجانب إلى أن انعدم هناك، لا زلت أتذكر جيداً اهتزاز بلدي على خبر اختطاف ثلاثة  وعشرين كورياً من طرف حركة طالبان سنة 2007، استعملتهم ٱنذاك للضغط على حكومات العالم من أجل الاعتراف بشرعيتها.
كل هذه الأفكار والمخاوف دارت في رأسي ومع ذلك حزمت حقيبتي وعزمت على الذهاب لعيش تلك المغامرة بحذافيرها، لم تكن كابول مفروشة بالورود، ففي شهري الأول هناك والذي وافق الشهر الأول من التقويم العربي، دبت الفوضى في الجسد الأفغاني وانقسمت العاصمة إلى جماعات وفرق متصارعة، فتحولت المدينة إلى ساحة حرب وانفجارات هنا وهناك.
لم أستوعب السبب في بادئ الأمر، لكن بعد أيام من إقامتي هناك اتضح لي أن هذه الفترة بالضبط تعتبر مناسبة سنوية يظهر فيها الخلاف جلياً بين السنة والشيعة.
كنت أحياناً أشعر بالغباء لخوضي هذه التجربة، لكن سرعان ما يتبدد غضبي ليتحول إلى أسى ما إن أستحضر أرواح الكثير من الأبرياء التي تزهق لأسباب تافهة؛ بسبب أناس انحرفوا عن مبادئ الدين الصحيح وتنكروا لها، فاختفى النقاش ليحل محله التكفير وإقصاء كل طائفةٍ للأخرى.
في خضم هذا الحديث الطويل، تدخل النادل ليوقف تسرب خيوط الحكاية، فتسلل الصمت بمغادرته والتقط “دارين” أنفاسه، ثم أخذ هاتفه يتصفحه وكأنه يقول في قرارة نفسه أنت تعلم الباقي.
في الحقيقة كنت أمني النفس فقط باليوم الذي يأتي، فتختفي تلك الصراعات التي تجعل العالم أوسخ بكثير للعيش فيه كإنسان.