العقل والوحي، أية علاقة؟

العقل ملكة خلقها الله تعالى في الإنسان لغاية التكليف والتفكير، لكن لماذا تتيه هذه الملكة؟ لماذا تتيه في تركيب السؤال بداية، وتتيه في الجواب -بالضرورة- نهاية؟

لقد طال التخبط الفلسفي حول كنه العقل ووظيفته وحدوده. عقلك أيها الإنسان لا يمكن -يقينا- أن يكتفي بذاته، سيكون مظلوما ضائعا إذا كلف بالإجابة عن أسئلة طرحها انطلاقا من منهج منحرف رسم له، انطلاقا من مجموعة من القبليات والخلفيات، إنه لن يجيب أجوبة مجردة خالصة صريحة كما يتوقع منه.

عقلك أيها الإنسان، عندما يشتغل وفق مقولات قبلية، يقصف نفسه بأسئلة ركبها هو نفسه؟ لا يستطيع أن يهرب منها ولا أن يجيب عنها، فيصير شاكيا من نفسه ومتهما من قبلها، ثم يحكم وينصب قاضيا في المسألة في النهاية؟ هكذا تأخذنا الفلسفات البشرية التي نظرت للعقل إلى متاهات يصعب الخروج منها.

عندما يصنع الصانع رجلا آليا ويبرمجه لقصد معين، في حيز زمني ومكاني معين، هل يستطيع الرجل الآلي أن يتجاوز مقاصد الصانع والحيز الذي رسم له، هل يستطيع أن يفكر بالصانع أو أن يتخيله وهو لم يمكنه من آلية ذلك، كذلك أنت أيها الإنسان، خلقت لقصد معين عرفته من خلال رسالة الصانع (القرآن الكريم)، في حيز مكاني صغير في الكون (الأرض)، وأعطيت الرخصة للنفوذ في أقطار أخرى، وأخبرت أن زمنك المتاح محدد مرتين؛ مرة بعمرك القصير الذي تتوقف به رحلتك الدنيوية، ومرة بعمر كوكبك الذي تبدأ به حياتك الأخروية.

لقد تحدث الكثير من العلماء عن حدود ملكة العقل التي تطل على العالم من خلال الحواس، ولذلك لا تستطيع هذه الملكة أن تتخيل ما لم تره أو تسمعه أو تلمسه…، كما فصل الدكتور رمضان البوطي في كتابه الرائق: “كبرى اليقينيات الكونية” ولذلك فما يسمى بالأسئلة الكبرى؛ من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ أسئلة الخلق والمصير، كلها ليست من مهام ملكة العقل، لأنه لا يملك معطيات للإجابة.

ماهي طبيعة العلاقة بين العقل والوحي؟

مقالات مرتبطة

يتسم “العقل المجرد” بالفوضى والنسبية كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن، الأمر الذي يفقد الكثير من النظريات العلمية التكامل والاتساق فيما بينها، فالعقل عندما يشق طريقه وحيدا دون الاستنارة بالوحي يجد نفسه في متاهات لا نهاية لها؛ لأن العقل مع الوحي كالنور مع العين، والأعمى والجالس في الظلمة سواء، وهل تبصر العين من دون نور؟

نعم، العقل غير المرشد بالوحي لا يمكن الاتكال على نتائجه؛ لفقدانه “الوجهة” و”القبلة” كما يقول الدكتور أحمد عبادي: “إذ الحركة تفقد معناها بفقدانها القبلة، كما أن العلم بالقبلة دون حركة موجهة نحوها لا يجدي”، وتشمل الحركة هنا نشاط العقل وغيره.

ولا يتصور وجود تعارض بين العقل والنص مادام الأول صريحا لم تفسده الفلسفات الجانحة، والثاني صحيحا موثقا، لأن مصدر كليهما هو الله سبحانه، فالقرآن كلامه والعقل آلية للفهم أنعم بها على الإنسان، فلا يتصور تعارض بين معرفتين منبثقتين من مشكاة واحدة[[3]]، أما أصل التعارض المزعوم فهو ربط الآيات القرآنية بفلسفات تفتقر إلى الرؤية المتوازنة للوجود والحياة والإنسان.

وإذا انطلقنا من نظرية ابن تيمية وهي من أوضح وأقوى النظريات في علاقة العقل بالنقل، بحيث لا يحكم أيا منهما في الآخر، اتضح لنا أن ما يسمى بمدرسة الأثر ومدرسة الرأي؛ تقسيم نسبي يعتمد التغليب وضع في فترة تاريخية معينة لغرض منهجي، فالعقل من أعظم آليات فهم القرآن التي دعا إليها القرآن نفسه.

ثم إن بعض ما يسمى بالتفسير العقلي في التراث القرآني لا يستحق هذه التسمية؛ لأنه في الأصل نتاج لخلل منهجي في التفسير؛ كالتجزيء والانتقاء والتركيز على المتشابه والظني وترك المحكم والقطعي، إضافة إلى إسقاط بعض المقولات الفلسفة، وهو ما ولد حملة مضادة لكل ما هو فلسفي وعقلي، وولد شعورا دفينا ووهما خطيرا بمسؤولية العقل عن كل الانحرافات المنهجية في التفسير، ومن جهة أخرى نجد أن أصحاب هذه الانحرافات التفسيرية يحاولون شرعنتها بإضفاء صفة العقلانية عليها، فاتهم العقل وحمل مسؤولية انحراف بعض التفاسير من جهتين.

العقل كملكة محايدة مبجل أيما تبجيل من قبل الوحي؛ إذ تستوقفك الآيات المتكاثرة التي تدعو إلى النظر وتحريض العقل على التفكر…والثناء على أولي الألباب والنهى…، ففهمنا أن قيمة الإنسان بقدر تعقله، لكن قيمة تعقله بصحة المنهج الذي يسلكه في هذا التعقل، وبقدر هذا التعقل يكون الإيمان، وبقدر الإيمان يكون التحرر من كل القيود غير العقل، فيعيش الإنسان بكرامة، ولذلك فالطريق الوحيد للمقصد الإنساني الأسمى؛ الكرامة، هو الاستنارة بنور العقل المرشد.