القراءة تجربةُ حياة

تُعدُّ القراءةُ أمراً مهما لبناء الإنسان، تبدأ من القراءة البسيطة التي يقوم بها الأطفال للقصص الصغيرة، فيعتاد العقل على إدخال معرفة من خلال الكتاب، ثم ينتقل إلى القراءة في أمر أكثر أهمية: لرواية أعقد فأعقد، فيبني له مخيلةً ويُنَقِّي ذوقه.

ممارسةُ الإنسانِ للتفكير تَحتاج هي الأخرى لكتبٍ تُعينه على تمحيص الأفكار الصحيحة من الأخرى غير الصحيحة، هنا يحتاج لكتب المنطق، فيمارسُ نقدا عمليا لأفكاره قبل أن يُخرجها، عَيْشُه مع نفسه يُعْطِيه انطباعاً عاماً عن طبيعة النفس إلا أن كتب علم النفس تساعده أكثر على توسيع نظرته بشكل أكثر دقة، فيكتشف بذلك مبادئ راسخة في النَّفس منها (مبدأ اللذة و الألم)، عندما يحاول الخروج من نفسه للعيش في مجتمعٍ. يمكنه أن يعيش بتصوراته القَبْلية إلا أن قراءة كتب علم الاجتماع تعينه على فهم المؤثر على المجموع وكيف يُبنى الإجماع على أمر معين مثلا. كما أنه ضمن مجتمعه يجد نفسه محاصرا بقواعد أخرى: أهمها قواعد قانونية. هنا يحتاج كثيرا للقراءة. فلا بد أن يكون واسع الاطلاع على كتب القانون. ولا يمكن أن يتسرع في الدخول إلى المعترك السياسي المحلي مثلا وهو لا يعرف القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات، بل تجد الكثير من الناس من لم يقرأ النظام الأساسي للمنتخب، ولا يعرف اختصاصات الجماعة ولا صلاحياتها ولا أجهزة التنفيذ ولا النظام المالي للجماعة ولا مصدر مواردها المالية. ويدخل بعواطفه الجياشة إلى هذا الميدان فلا يرجع إلا بخيبة أمل فيه. فالقراءة في هذا المستوى مهمة للغاية ليكتسب بها الإنسان ذائقة نقدية. قد ينتقل الإنسان من السياسة المحلية إلى الأعلى فالأعلى فيحتاج لدُربةٍ في القراءة أكبرَ؛ لأن تعقيد المسائل يبرز أكثر فأكثر، كون خروجه من معترك السياسة للفكر عامةً يحتاج منه جهدا إضافيا في القراءة.

هذه، إذن، أمثلة بسيطة عن حاجة الإنسان لضبط القراءة، وظهر بهذا أنَّ القراءة ليست ترفا بل ضرورة، ويُمكنُ أن يكونَ هذا جوابا مختصرا عن سؤال “لماذا أقرأ؟”.

نطرحُ هنا السؤال الثاني الذي يليه مباشرةً: “ماذا أقرأ؟” فنقول: كل كتاب بين يديك عندما تَتَناوله، تراودُك نفسُكَ فتَقولُ: لماذا أقرأ هذا الكتاب؟ قبل أن تشتغل بالجواب أطلب منك أن تزيد كلمة (لا) بعد (لماذا) وبعدها فكر في السؤال هكذا “لماذا لا أقرأ هذا الكتاب؟”. بَحْثُك عن سببٍ يجعلك لا تَقرأ الكتاب لا يشغلك عن البدء في قراءته، أما أن تشتغل بالبحث عن السبب الذي يدفعك للقراءة فالسؤالُ نفسُه يُبعدك عن البدء فيها، هذا من حيث الإجمال، أما عند التفصيل، فاختيار كتابٍ معينٍ لقراءته هو أمر ذوقي ووقتي وتابع للتجربة الحياتية التي تمر بها، ستجد الجواب عن هذا السؤال في مثاني كتاب معين، وكم يسر الروح أن تجد عبارة تقول [للتفصيل انظر المرجع الفلاني] وفي الهامش تجد كتابا يذهب بك إلى أبعد مما تتخيل، فالجواب عن هذا السؤال عائد بالضبط لتجربتك الحياتية، ربما تبدأ كتابا في الطريق نحو خاتمته تجد نفسك لا تستوعب ولا شيء فيه، هنا تبحث لك عن كتاب يشرحه إن كان مؤصلا أو تجاوزه لغيره.

بعد اختيار الكتاب الأول، تصيبك نوبة من الملل، تليه نوبات كثيرة متكاثرة منه، فيؤلمك رأسك وعيناك، يملأ الضجيج رأسك، كلمات الكتاب تبدأ عملها حين دخولها، تتحرك المعاني الأولى في ذهنك، بعد عذاب البدايات تبدأ عذوبة القراءة تترسخ فيك، تشد طريقها نحو عقلك، يُصبح طقس القراءة إدمان يومك. تلك إذن مراحلُ إدمان القراءة.

مقالات مرتبطة

بعدما تدمن القراءة تصيبك آفاتٌ كثيرة:

  • أولا: تستوحش الكلام الفاحش؛ إذ في الكتب المعتبرة لا تتلقى نفسك غير تلك المعاني الرَّاقية، تتكون لك بذاك ذائقة، تتملك نفسك الكلمات وتسبح في ضوء المعاني. فلا تقوى على أن تسمع فحشا. ليس ذاك عائدٌ لديانةٍ أو ضعفٍ بل هو ذوق اعتادته نفسُك. بعد هذا تمل الكلام الفارغ، ليصبح السؤال نفسه قاسيا إن كان يُطرح بلا قصدِ فائدةٍ.
  • ثانيا: بعدما تتولد لديك ذائقة تستوحش بها من أولئك الذين يتحدثون بلا ميزان، تنعزل حفاظا على أذنك.
  • ثالثا: تتولد لك قدرة على عزل الكلام عن المتكلم، فتحاكم الكلمات وبناءاتها وموسيقاها ومعانيها ولا تجد نفسك إلا وأنت تختبر كلام الآخرين بمعزل عنهم وعنك. هنا تظهر وكأنك آلةٌ بلا مشاعر.

قد يأتي مثلا من يقول لك: أنت غبي. فتقتطع كلامه عنه وتنظر فيه مجردا عن قائله وأيضا عن حكمه عليك، فتختبر حقيقته فتراه هكذا: كلمةُ (أنتَ) تدُلُّ على (أنا). وهي موضوع قضيةٍ حَمليةٍ (كما يُقال في المنطق). وكلمة غبي هي محمول القضية. تُعيد تركيب المعنى في نفسك هكذا “أنا غبي”. فتقارن الحكم الذي فيه بما تعرفه عن نفسك. فإن كنت تعلم عن نفسك أنك غبي عندها لا تتأثر لأنه قال شيئا تعرفه عن نفسك مسبقا. وإن كنت تعلم أنك لست غبيا فلا تتأثر أيضا لأنه أخطأ في الحكم، وهنا تنتقل لاختبار الدليل الذي جعله يحكم على التصور الذي أخذه عنك بأنه يتصف بتلك الصفة فتقول له: “لماذا أنا غبي؟” بهذه الطريقة تَظهر على أنَّك غبي أو أنك بلا مشاعر…وبمثل هذا الأمر أيضا ستحصلُ لك العديد من المشاكل مع الناس المراهقين من يتأثرون بمجرد أن تحكم عليهم! ثم الآفة الخطيرة الأخيرةُ أنَّ تعاملك مع الناس سيكون تباعا لما تتعلمه من الكتب. فستعيش وحيدا بالضرورة، لأن أفعالك تبنيها على أفكار، ثم تختبر الأفكار بعد حين فتنتج عندك أخرى، فتبني أفعالك مرة أخرى عليها. وستعرض نفسك للتغيير المستمر. وتعرضها للنقد من محيطك. وستفقد في لحظة من لحظات عمرك ثقة الآخرين فيك، وهذا اختبار شديد لك، إما أن تستمر في طريقك أو ستنكسر!

تقرِّرُ بإرادةً قويَّةٍ أن تقرأ كتباً لكاتبٍ معين، أو تقرأ لكُتَّابٍ في معنى معين، ستقع لا محالة في شراك هذا الكاتب أو ذاك المعنى أو التوجه، فإما أن ترضى لنفسك بأن تكون سيد أفكارك أو أن تكون متحيرا. قد تُصيبك -شدة الانبهار بكاتب معين- بـ “الحيرة”. فتكاد توقف عمل عقلك. ضربةٌ في قلب عقلك، يَتوقف بعدها عند هذا الفيلسوف أو ذاك الأديب أو عند أعتاب هذا العالم أو ذاك التوجه الفكري…ضربةُ الحيرةِ هذه تُكبلك، تحتاج إلى إرادة أخرى جبارة لكي تجتازها.

الحيرةُ دواؤها ممارسة القوانين العقلية: أي أن تجبر نفسك على التفكير في ما وراء تلك الضربة، فإن كنت ستقرأ لتتوقف في منتصف الطريق فالأفضل أن لا تبدأ الطريق أصلا، لا بأس بالانبهار بكل ما ستقرأ أول مرة، تقرأ أكثر فيه، وتقرأ أكثر عنه، ثم تَجَاوَزه وانطلق؛ لأن القراءة ليست سوى وسيلة لكي تصل بها إلى معرفة نفسك أكثر، تزيل ذلك الكم الهائل من الغبش عن نفسك بمزيد من القراءة، ثم المزيد، إلى أن تصل اليك.

بعض علامات الوصول لبعض حقائق عقلك، أنك تَسْكُن للتَّفكير في معنى ما، تفكر فيه مدة تطول بعض الشيء، بعد حين تنتج لك معانٍ، ثم بعد حين تقع على كتاب ما يتحدث عن نفس تلك المعاني التي نتجت عندك. إذا ما وجدت عقلك قادرا على فعل هذا الأمر فاعلم هنا أنك وضعت قدمك على أول الطريق! وهنا تكاد لا تجد في الكُتُبِ تلك الشُّعْلةَ الأولى التي كانت تُصاحبك في البدايات، تُصبح الكتب باردةً، قد جرَّبتَ الحياةَ بها فحان بدونِها.