اللطيف

1

سنة 1930 أصدر الاستعمار الفرنسي وثيقة قانونية باسم الظهير المنظم للعدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية، والتي لا توجد بها محاكم شرعية، وهي الوثيقة التي عرفت فيما بعد باسم الظهير البربري، وقد كانَ الهدف المبطنُ من هاته الوثيقة هو أن يفصل الفرنسيون بين المغاربة عرقيا فيسهل عليهم الاستيلاء على الأراضي وتوزيع النفوذ وبسط السيطرة بشكل موزع يسهل معه تنزيل القرارات المركزية لإدارة الاستعمار.

المهم أن هذا الظهير حاول أن يفكك مكونات الشعب المغربي الأصيل، والذي تجمعه سماتُ حضارية وثقافية أكبر من العرق والدين واللغة ويجعله قسمين، ويسهل الاقتتال الأهلي والصراع حول الإيديولوجيا، كما كان له هدف آخرٌ هو إضعاف سلطة الحركات المقاومة ذات الخلفية الدينية وتضييق سلطاتها، ومحاولة إفراغ الوعاء الحضاري والثقافي للمغاربة من أي هامش للدين أو الثقافة أو اللغة، وشحنه بالنعرات العنصرية والفئوية التي تضربُ في العمق أساس تنوع الثقافة الوطنية.

فهمت الحركة المقاومة يومها أن هذا الظهير سمّ وجب التعامل معه بكل الرفض والصلابة الممكنين، وأن أي محاولة لتفكيك إرادة هذا الشعب المتوحدة ضد الاستعمار ستكونُ فاشلة، وقرأ المغاربة يومها اللطيف في المساجد والساحات بلفظ يليق بجلالة اللحظة وثقلها، وتخلّد هذا الصوت الحضاري لشعب متوحّد يؤمن بأرضيته المشتركة ويرفض أي محاولة للفصل والتفكيك والاقتتال، وصعد إلى السماء بصدىً جميل وصلنا إلى العشرينية الثانية من قرننا الحالي.

إن هذا النصّ ليسَ نص تاريخ، كما أنه لا يقصدُ الإفصاح عن أي موقف إزاء هوية المغاربة، وليست فيه أي محاولة للاصطفاف مع فرقة ما من فرقتي هذا النقاش، ولا حتى الدخول في تحليل تاريخ الحركة المقاومة بالمغرب، ولكن وقفتُ عند هذا الحدث التاريخي تحديداً لنتأمل معا في هذا السلوك الجمعي للناس: قراءة اللطيف جماعة، بنص بسيط وموجز في قضية كبرى من قضايا أمة كانت تعيش حينها استعماراً.

مقالات مرتبطة

والسؤال الذي يتبادرُ عندها هو ما الذي ستصنعه جملة نرددها جماعة في نفس الوقت، لها بعدُ ديني في صراع بين جيشٍ مستعمر وبين أمة لا تقبل أن تنقسم؟ والجواب عنه بسيط: إن النداء المتكرر لله حين الأزماتِ يجعل الناس أكثر قوة في مواجهة الخصم المقبلِ عليهم بكل قوته، وهم بذلك يحملون اسم الله درعاً منيعا أمام تجبر العدو، كيفما كان هذا العدو، فيلجأ الناس بلا أي تردد لمن هو أقوى وأشدّ ليمنعه عنهم. وهو ما حدث تماما.

واستحضارنا نحنُ أيضاً لهاته الواقعة، لا يكون بعيدا عن مسألة النداء الذي يوجهه الناس لله على اختلاف أنواعهِ في الصلوات والأدعية والابتهالات، حال الخوف وحال الطمأنينة، واجتماع الناس على هذا الأمر يوازن كفة ميزان الوجود، بين المحسوس وغيره ويجعل الخصمَ الذي يأتي إليك يخافك، لأنك تتسلح بما لا يراه، ويصنع قوتك.

واللطيف يومها الذي ردده المغاربة، كان أقوى من سلاح الفرنسيّ وأقوى من كيده، ولم يحتج هاتفا ولا وسيلة من وسائل الاتصال الحديثة ليجمع الناس. لقد اجتمعوا حول فكرة بسيطة وكتبوها في الصحف، واتفقوا على تاريخ معين يتجمّعون خلاله عند ساحات المساجد وفناءات المكتبات والجامعات العتيقة، ليرددوا لله ما هو أهل لهُ ويذكروه بأنه ألطف بهم من غيرهم وأقوى من أكثر الغاصبين وإن تقوى بسلاحِه، ويرفعوا لله وصفاً هادئاً كوصفِ اللطف ويجنحوا إليه ساعة من ساعات الضيق والشدائد والمصائب، فيكون لهم ما أرادوا منه، لأنه اللطيف، هكذا وبكل البساطة الممكنة يوحد الإيمان بالفكرة الناس ويجعلهم واثقين منها ومتحدين حولها ومؤمنين بها وبنتائجها، والعجيب أنها تنجح…لأنها تكون صادقة وذات مبدأ، وتبحث عما يوحد بدل ما يفرّق، وتجعل الثابث الحضاري أساسا لما نعتمد عليه جميعا لنواجه الخصم…خصوصا إن كنا نجهله.

والوقتُ الذي نحنُ فيه لا يختلف كثيراً، فالواقع أزمة، والوقت ضيق، ولا نحتاجُ إلا لطفاً يجمعنا ولطيفا نردده فرادى في بيوتنا بإخلاص والتزام، لننجو.