المجتمع الإنستغرامي: الوهم على حساب الحقيقة!

182

بدعوة من صديقة، قمت بإنشاء حساب على الإنستغرام بعد مدحها له والحق أن التطبيق كما كل التطبيقات فيه جانب مشرق يحمل محتوى محترما ومسؤولا يَسْهر “المؤثرون” -كما يفضل البعض تسميتهم- فيه على نشر الوعي ونفض الغبار عن موضوعات يجهل الناس مضمونها على شكل فيديوهات. مع أنني أؤمن أن تلك الفيديوهات هي فقط تطعيم للمعرفة وأن المعرفة الحقيقية تقبع في الرفوف وبين صفحات الكتب. كما يوجد أيضا من المؤثرين من يُسَخِّرُ حسه الفكاهي لإدخال البهجة والسرور على متابعيه والترويح عنهم، إلى حدود هذه الكلمات كل شيء يبدو جيداً ومقبولاً.

لكن، وللأسف هناك جانب مُضلل في هذا التطبيق، جانب يقوم فيه بعض نجوم الإنستغرام على التأسيس لحياة مفارقة تماما للواقع، حياة كلها بهرجة وتفاخر باقتناء آخر الموديلات والمنتوجات الحديثة يتمتع أصحابها بالرفاه الذي يصعب على الغالبية الساحقة من المتتبعين عيشه بحكم الواقع الذي يفرض عليهم عيش حياة متواضعة وبسيطة. هذه المظاهر تخلق عوزاً واحتياجاً لدى هؤلاء المتتبعين -الذين وبالمناسبة غالبيتهم من الشباب والمراهقين- الشيء الذي قد يدفعهم إلى الإقدام على خطوات غير محمودة؛ كالضغط على الوالدين لتوفير مستوى معيشة يفوق قدراتهم أو قد يسلكون طريق الانحراف محاولة منهم للوصول لهذا المستوى بطرق غير مشروعة، أو قد يقعون في حالات من السخط وعدم الرضى، الشيء الذي سيدخلهم في حالات نفسية غير مستقرة قد تصل حد الاكتئاب، وتحسسهم أنهم في مستوى أدنى مقارنة مع هؤلاء، والأخطر من ذلك أنهم وبسبب انبهارهم بهذا النموذج المادي للحياة سيعتقدون أن المتعة والتملك هما جوهر ما أُنشئ الإنسان لأجله وكل هذا على حساب الوجود الإنساني الذي أمسى في هذه المنظومة مجرد معادلة رقمية استهلاكية.

المشكل لا ينحصر في مجرد الترويج لحياة زائفة “Fake” وإرغام الناس على عيش الوهم، بل أيضا في غياب الوازع الأخلاقي والمسؤولية تجاه هؤلاء المعجبين والمتابعين الذي يجني من خلالهم هذا “المؤثر المشهور” الكثير من المال، ويتوصل بالكثير من المنتوجات من شركات مختلفة يُرَوِّجُ ويقوم بالإشهار والدعاية لها مقابل مبلغ معين بحكم العدد الهائل من المتتبعين الذي قد يصل إلى الملايين في حسابه بدون ميثاق شرف أخلاقي “Code of honor” ووضوح مع متتبعيه، مما يجعل هذا العمل يشوبه التضليل والتدليس، وهذا كله يمر على المتابع والمعجب العادي في اندهاش كبير منه عن مصدر هذا كله، وهو المسكين المخدوع بحياة البذخ هذه التي يصعب إن لم نقل يستحيل على الإنسان عيشها بشكل عادي دون اللجوء لهذه الأساليب التي تتنافى مع القيم.

إن الانجراف المجنون الذي يقوده الجشع والطمع، والإسراف والتبذير، والرغبة في الشهرة والتوسع، بأي اسم كان، والذي لا يعير اعتبارا للإنسان لا كرامة ولا وجودا، لا يمكنه أن يقدم للبشرية إلا التعاسة بدل السعادة، والوهم بدل الحقيقة، والخوف بدل الأمن، والشقاء بدل الطمأنينة، والمتع الزائفة المعلبة، وأن يدخلها في صراع وجودي بين قيم الفطرة الآدمية، وقيم الاستهلاك والأشباع المصنعة.

لست في مقام إصدار الأحكام الجاهزة ولا مصادرة حق أي شخص في استعمال تطبيق “الإنستغرام” أو تطبيق آخر، وإنما أكشف فقط عن خطر وقبح هذا الجانب الذي يتسبب في إفساد الحياة الإنسانية في بُعدها الجواني، وسحب الإنسان من موقع الاستخلاف والتكريم إلى مواقع هامشية وثانوية تتحدد قيمته فيها بالكم الذي يملك لا بالكيف والجوهر الذي هو عليه.

أضحى “الإنستغرام” مكياج الواقع، عالم يعيش فيه الإنسان في وهم غير متناهٍ، استيهامات عرضية مضللة لا تخبر عن حقيقة الذات كما هي في الواقع ذي الأبعاد الكثيرة، تقديم زائف للواقع اعتمادا على “رتوشات” تحسن الأصل أو تعدله أو تغطي على جوانب النقص فيه، وذاك هو موضوع “اللايكات” و “الجيمات” في مواقع التواصل الاجتماعي، إنها حالة من حالات الاستعراء.

وفي الأخير، أنا كما الآخر لست في منأى عن النقد الذي أوجهه لهذا التطبيق وجانبه الموحش، فأنا جزء من هذا العالم، وأنا أيضا مستهلك للشبكات الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن أن نترك أنفسنا ضحايا لكل ما يتجاوزنا، فنحن مسؤولون عن منح هذا العالم صورة هي ما نود أن يكون عليه، لا ما يراد لنا أن نكون عليه، وإذا لم يتغير أي شيء فسينتهي بنا الاعتقاد إلى أن هذا هو ما يلائمنا، أما بالنسبة إلي فإن هذا لا يلائمني، لأن هذا الأمر ليس قدرا، فنحن من يتحكم في وجودنا في هذا العالم؛ لأننا نطمح دائما أن نكون ذواتا حرة ومسؤولة.