المراهَقة الفكرية

من المعروف أنّ المراهقة، بالنسبة إلى الإنسان، هي الفترة من بُلوغ الحُلُم إلى سنّ الرُّشْد. والحُلُمُ، يُوصَف به الصَّبيّ إذا أدْرَكَ و بَلغَ مَبلَغ الرِّجال… أرجو من القُرَّاء الكرام، ومن العُقلاء والمفكِّرين، أن يدلوني على الصفة الدقيقة لهذه “الزوابع ” التي تجتاح عالَمنا العربيّ، في الوقت الراهن. وإلى أن أجد وصفا مُقنِعا، أنعت به هذه “الزوابع”، التي سأتحدث عنها لاحقًا، أجِدُني مُضْطرًا لوصفها بأنها نِتاج “مراهَقة فِكريّة”، كما ورد في العنوان، اتّسَمَ بها بعض أصحاب القرار، وبعض الفاعلين في بعض مجتمعاتنا العربية. وأقل ما يمكن أن توصف به، هو أنها نتيجة حتميّة لتصرفات صِبْيانيّة، عبثيّة، جنونيّة، مدمِّرة..إلخ. وبحكم التخصُّص ومراعاةً لاهتماماتي الشخصيّة، سأبدأ حديثي في الموضوع، عن “الزَّوْبَعَةِ اللغويّة”.

في مقال سابق بعنوان “تعريب العلوم الطبية في الوطن العربيّ”، ذكرتُ أنّ الطبّ يُدرَّس في سورية – بنجاح – باللغة العربية، منذ عام 1919م، حتى يومنا هذا. وما يجري على العلوم الطبيّة، يجري على العلوم الأخرى. وقد ذكرت سورية، على سبيل المثال، لا الحصر. ثم ذكرت – في المقال نفسِه – أنّ العالم العربيَّ أصبح جاهزًا للتعريب الشامل، بعد أن توفرت له مُستَلْزَمات التعريب، ومنها: المصطلح، الكتاب، المَرجع، الأستاذ، إلخ…ولا ينقصنا إلا اتخاذ قرار سياسيّ باستعمال اللغة العربية، في التدريس، وفي الإدارة، وفي جميع المرافق الحيويّة.

وبعد أن “نَضَجَت” الإجراءات الخاصة بعملية التعريب، وأصبحنا قابَ قوسيْن أو أدنى من تجسيدها على أرض الواقع، طَلعتْ علينا أصوات “نشاز” تنادي بضرورة “التَّعدُّد اللغويّ” في عهد العَولَمة. وقد ظن الغِرّ (الساذج) منا، في أول الأمر، أن الأمر يتعلق بتعلم لغات أجنبية حَيَّة، وفسح المجال لها في القطاعات الخاصة، لتساعدنا على التواصل مع الخارج، وتفيد في تنشيط الاقتصاد و طالتجارة والسياحة…، دون أن تُنافس اللغة العربية التي هي أهم رابط – بعد عقيدة الإسلام – يربط بين أجزاء الوطن العربيّ، من المحيط إلى الخليج. ومع مرور الوقت، تبَيَّن أنّ المقصود ب “التعدُّدِ اللغويّ” هو دَسْتَرَة اللهجات الوطنية المحلية(العامّيات)، وجعلها على قدم المساواة مع اللغة العربية الفصيحة، بل وجعل العامّية لغة قائمة بذاتها، لا صلة لها بالعربية الفصحى. من ذلك – مثلاً – أنّ “الحَسَّانيَّة” المستعمَلة في موريتانيا، وفي المناطق التي ينحدر سكانها مما يُعرَف ب “البيظان”، أصبحت تُعتَبَر – حسَب هؤلاء – لغةً مستقلة عن اللغة العربية الفصيحة. في الوقت الذي يرى أهل الاختصاص، المنصِفين والموضوعِيّين، أن “العامّية” تُعَدُّ مستوًى متدنيا من مستويات اللغة العربية، وهي بذلك جزء مكمِّل للفصحى، كما أنها تقوم بدور مهم في الأنشطة الحياتية اليومية لمكونات الشعب العربيّ. ثمّ إنّ اللهجات الوطنية الأخرى- إن وُجِدَتْ- لا تُشَكِّل عقبةً في طريق النمو والتطور، مادامتْ لدينا لغة موحّدة (اللغة العربية الفصيحة)، التي هي وحدها القادرة- في الوقت الراهن – على نقل العلوم والمعارف، وتسيير الشؤون المختلِفة، بصفتها لغة عالِمة. وفي خِضم هذه “الموجة”، أو “الزوبعة” يتبيَّن أنّ الصراعَ – في الوقت الراهن – لم يعد بين اللغة العربية ولغة المستعمِر السابق (الإنجليزية في المشرق العربيّ والفرنسية في المغرب العربيّ)، وإنما انتقل هذا الصراع إلى صراع بين العربية – من جهة- واللهجات الوطنية الأخرى -من جهة ثانية- وذلك من أجل إضعاف اللغة العربية وإدخالها في “مناوشات” جانبية مع أخواتها (اللهجات الوطنية)، مما سيعمل على تقوية المُنافِس الفعليّ الذي هو اللغة الأجنبية.

 

ومع أنني لا أريد الجريَ وراء ما أصبح يُعرَف ب “نظرية المؤامَرة”، فإنني لا أستبعد أن يكون الهدف من هذه “الزوبعة”، تقوية اللغة الأجنبية، على حساب اللغة العربية؛ لأنّ العامية لا تتوفر على الخصائص اللغوية التي تمكنها من منافسة اللغة العربية الفصيحة…فهل من المصادفة المحضة، أن يترافق هذا الهجوم الشَّرِس على اللغة العربية، مع تدمير الأقطار العربية، الواحد تلو الآخر؟ أليس الهدف هو تدمير اللغة بعد تدمير الإنسان والعُمران؟ وهل التغيير المنشود في وطننا العربيّ، لم يكن تحقيقه ممكنا ، ب “كُلْفَة” أقل؟ وهل الهدف من الأُسلوب الذي اتُّبِعَ من أجل التغيير (ما أطلق عليه اسم:”الربيع العربيّ”)، هو إضعاف القدرات العربية و طجعل العرب يحتاجون إلى عشرات السنين لإعادة الإعمار، مما يَصُبّ في مصلحة آخرين يريدون المحافظة على توازنات استراتيجية مُعَيَّنَة، تضمن استمرار تَفَوُّق أعداء العرب؟ وهل من المصادفة أن يترافق هذا التغيير “التدميريّ” للبشر والحَجَر، وهذا “الدم” العربيّ الغالي الذي “يسيل”على مَدَار الساعة، مع إثارة النعرات العِرقية والعَقدِيّة والفِئوية والطائفية، في ربوع الوطن العربيّ؟

إننا أمام فوضى عارمة، لا أحدَ يستطيع أن يتنبأ بمآلاتها، ولا بأنها ستكون “فوضى خَلاَّقة”، وهي العبارة التي نُسبت إلى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (كوندليسا رايس). والله أعلم بالمقصود من هذه العِبارة. إننا أمام تحديات حقيقية، تفرض علينا جميعا – كل من موقعه – أن نكون في المستوى المطلوب، من أجل تجاوز هذه اللحظات التاريخية الفارقة. ولن يتأتى ذلك إلا بالمزيد من الوحدة والتعاون، والحرص على تماسك جبهاتنا الداخلية، وتعميق اللحمة بين مكونات شعبنا، وجعل ثوابت الأمة ومصالحها العامة فوق كل اعتبار.

إننا بحاجة ماسّة وملحّة وعاجلة، إلى أن نثبت أننا نتصرّف تصرُّفَ العُقلاء، وأعمال العقلاء منزَّهَة عن العَبَث. يجب التصدي لهذه “المهزلة” المتمثلة في أنّ المسلمَ يرفع السلاحَ على أخيه المسلم، والعربيّ يرفع السلاحَ على العربيّ، والمواطن العربيّ يدعم بقاء لغة المستعمر السابق، على حساب لغته العربية الجميلة، لغة القرآن الكريم. لابد من اليقظة التامّة، وإعْماِل الفِكْر، وحُسْن التدبير، حتى نبرهن على أننا بلغنا سنّ “الرشد الفكريّ” وتجاوزنا بذلك سنّ “المراهقة الفكريّة”.