المهارات التقنية بعد عشرين سنة

دوام الحال من المحال؛ هذا ما أكدته لنا الجائحة التي غزت العالم وقلبته رأسا على عقب في أشهر معدودات، وغيرت نمط عيش كل شخص فيه، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو العمل أو الممارسات اليومية. أصبحت البسيطة بين ليلة وضحاها أمام نظام جديد، حيث اعتمدت الدول التعامل عن بعد في أغلب المجالات العملية، أما ما يتعلق بالجانب الاجتماعي والشخصي فقد تحدث الكثيرون عنه بشكل مفصل. ومما لا شك فيه، أن الوباء علمنا استشعار النعم الصغيرة قبل الكبيرة، وإدراك أكثر لقيمة العائلة ومدى روعة المناسبات التي تجمعنا بأحبابنا والكثير من المكتسبات الأخرى، لكن الجانب الذي يدور حوله حديثنا فهو الجانب المعرفي والمهاراتي، الذي بات التطرق إليه أمرا ضروريا في ظل ما يشهده العالم اليوم، وما يمكن أن يشهده غدا.

إن التعليم عن بعد الذي اعتمدته أغلب الدول سيقلل من قيمة الجامعات ومدى صلاحية شهادتها، فوراء الشاشات لا يمكن تحديد قدرات الطلاب ولا الوثوق بها من جهة، ومن جهة أخرى، ستتعزز قيمة كل مهارة من المهارات التي تهم عالم التقنية والتكنولوجيا.
يشبه ما أقوله قرار أمريكا بشأن فرص العمل التي أصبحت تعتمد على المهارة عوض الشهادة، قد يكون تطبيقه عندنا بعيدا بمقدار عشرين سنة، لكننا نمهد له بشكل غير مباشر، ففي ظل ما خلفته الأوضاع الوبائية، احتاجت العديد من الدول لذوي المهارات، كالتصميم والبرمجة والفوتوشوب، وكل ما يخص عالم التقنيات لإيصال الأفكار وتوعية المجتمع، لتحقيق الشركات الربح وكسب الزبائن.

إن الأمر أشبه بسيف ذي حدين، هو قرار سلبي لأن التوجه والتلهف على الجامعات وبذل الجهد لدخولها والحصول على معدلات مشرفة فيها سيقل، مما سيقلل من المعرفة والبحث وقد يتطور الأمر مع الزمن إلى أن يبتعد الإنسان عن الكتب وعن كل ما هو ورقي، ومن جهة أخرى هو قرار إيجابي، حيث ستتاح الفرصة للكثير من الناس والشباب -خاصة الذين لا يملكون شهادات جامعية لكنهم أصحاب موهبة- بأن يشغلوا مناصب جيدة، ويحصلوا على فرص للتعبير عن قدراتهم.

أثبتت الدراسات كذلك أن الأشخاص أصحاب المهارات التكنولوجية والتقنية أغلبهم غير حاصلين على شهادات جامعية، أو حاصلين عليها في مجال بعيد كل البعد عن مهاراتهم، وهذا ما جعلهم متأكدين من أن بإمكان الشخص أن يشتغل في شركات عملاقة ويشغل مناصب كبيرة أو صغيرة من خلال تصميم جيد أنجزه، وليس بالضرورة أن يكون بفضل شهادة مختومة من أفضل الجامعات.

قد يكون خيالي واسعا وتوقعاتي ما زالت بعيدة، لكنني أرى أنه من الجميل أن نذكر العالم أننا في عصر السرعة، وأن أغلب احتياجاتنا تتلخص في الأجهزة الإلكترونية، وعلى عرشها الحاسوب والهاتف، وأصبح لكل شخص عالمه الافتراضي الذي ينتقل فيه من وسيلة تواصل لأخرى، خصوصا في الفترات الأخيرة التي جمعت التعليم وجعلته افتراضيا، فمن غير الجيد إذن أن لا يملك الشاب مهارة واحدة يضمن بها مكانا له في السنوات القادمة، والوقت ما زال بيد كل من لا يملكها ليتعلم ويبحث.

مقالات مرتبطة

لا نضمن شيئا في هذا العالم، ولسنا مجبرين على نقش اسمنا فيه، لكننا مجبرون على مواكبة تطوراته والتماشي مع تغيراته، وخير مثال هو ما نعيشه اليوم، حيث كنا البارحة ندرس ونعمل حضوريا، أما اليوم، فإن العالم محتار بين كليهما ويتساءل أيهما سيعتمد؟ أما الغد، فمصيره غير معروف لكننا نستطيع التوقع، كما أن محاولة صنع مكان حسب التوقعات ليس بالأمر السيء إذ لا يعلم أحد متى ستدق ساعة الحقيقة.

يقال إن العلم إن لم ينفعك لن يضرك، لذلك لا بأس بإشغال النفس بتعلم مهارات جديدة أو البحث في أمور مفيدة عوض تضييع الوقت في مشاهدة حياة الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

بعد قرابة عشرين سنة، إن لم يكن العالم بحاجة لمهارتك، فستحتاجها بالتأكيد من أجل مشروعك أو حياتك بشكل عام، لذلك، أنصحكم وأنصح نفسي بأن يفكر كل منا جديا في التغيرات التي ستحدث في العالم بعد هذه الجائحة، وأن نحاول إيجاد مكان لأنفسنا في المستقبل بالتعلم والبحث المستمرين.

قد تبدو كلماتي سلبية، لكنها ذات عمق واقعي؛ الأكيد أننا جميعا نتمنى أن يغادرنا الوباء وتعود الحياة لطبيعتها، لكننا لا ننكر أنه حتى لو ذهب ستقرر بعض الدول إن لم نقل أغلبهم تغيير نظامها وتحويله لنظام عن بعد بشكل دائم، وهذا ليس أمرا ممنوعا، فالطبيعة صديقة التغيير ولكل زمن مواصفاته.

سمعنا دائما أن الندم شعور قاس، فما دام باستطاعتنا تجنبه فيمكننا أن نتعلم اليوم ونغتنم شبابنا، ونكون قادرين على مواكبة أي موجة، فالزمن يمضي والفرص لا تنتظر، وليتذكر كل منا أن جملة “لا أستطيع” خداعة، كون كل شخص له قدرات وطاقات داخلية بإمكانهم أن يحققوا بها المستحيل، ويتعلموا بها أي مهارة يريدونها. الحكمة في أن نبدأ بأي شيء نملكه، إذ ليس بالضرورة أن تكون كل الظروف والمواد المادية متوفرة. المهم هو أن تتوفر العزيمة والإرادة والمجهود، هذا المثلث هو كل ما يحتاجه المرء ليؤسس نفسا مستقلة لليوم وغدا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri