الوصفة السحرية

إن المدمن على الغوص فيما وراء السطور، سيجد هذا العنوان مستفزا شيئا ما؛ لأن هناك من العناوين ما نمر عليها مرور الكرام، ولا نبالي مطلقا بما تخفيه وراءها، وهناك من العناوين ما تجذبك للوهلة الأولى، وتأسرك في عالمها الخاص، ثم تفرض عليك قوانينها وتجعلك مقيدا لا تغادرها حتى تعرف ما تخبئه وراءها، هذه هي العناوين المستفزة، التي يعشق القارئ تفحص معانيها وفك شيفرتها، وكما أن العناوين هي بوابة كل شيء (الكتب، والمقالات، والروايات النصوص) لذلك جعلناها البوابة الكبرى للولوج إلى موضوعنا هذا.

إن الوصفة السحرية التي نقصدها هنا هي القراءة، لكونها الأداة الوحيدة التي تهيئ للقارئ عالما خاصا به، عالما ليس كالعالم الذي نعيش فيه، مختلفا كل الاختلاف، إذا أردت السفر لا تبحث عن أحسن المدن وأروعها وأجملها في عالمنا الواقعي، بل سافر إلى هذا العالم وتعرف عليه وحاول أن تتعود على العيش فيه، السفر إليه لا يتطلب وسيلة نقل أو ما شابه ذلك، يكفي أن تفتح الكتاب وإذا بك تنتقل حينها إلى ذلك العالم، فتعيش في ثنايا الكتاب، وبين الصفحات، وتتنفس بالمعاني، وتحيا بالكلمات.

مقالات مرتبطة

تنقلك المعاني إلى عالم فريد من نوعه، فتصبح كالصياد الذي لا يكتفي باصطياد فريسة واحدة ثم يتوقف، إنه صيد من نوع آخر، تصطاد المعنى الأول ثم تجري وراء الثاني لتربط بين الأحداث، وتفك اللغز الغامض الذي يتوارى خلف الكلمات، ويأبى الظهور حينها يصبح القارئ في صراع مع الكلمات، لا يغادر كلمة حتى يعرف ما تعنيه هي عنيدة، لكنه أشد عنادا منها، هذا الصراع ينتهي حين يفهم القارئ ما تحت السطور، ويستمتع ويتلذذ حينها فيزيد شوقه إلى إتمام الكتاب ربما أحداث الرواية في الصفحات المتبقية أكثر متعة، أو المعاني القادمة أكثر جمالا، هذا هو الذي يستفز القارئ ويجعله لا يغادر كتابا حتى ينهيه.

هنا يحس القارئ أن القراءة هي وصفته السحرية للخلاص من هذا العالم المليء بالضوضاء والضجيج، وبيته حين يمل من الجلوس بين أربعة جدران فيخرج لفضاء أوسع من ذلك؛ فضاء القراءة حيت لا إزعاج هناك ولا ملل، فحين يدخل المرء عالم القراءة لا يسأل عن نفسه مطلقا أين هو لأنه أمانة عند الكتاب الذي يقرؤه أو سجين ذلك الكتاب، بل قلعته الحصينة وبرجه الذي يعلو باستمرار كلما ارتفع منسوب القراءة لديه؛ فيرى آفاقا جديدة تنفتح أمامه فهو لا يقرأ فحسب، بل يعيش بين الكلمات والسطور ويكتشف ما تخبئه وراءها، وربما هو كاتب الغد أو شاعر ذو ذوق رفيع. فمن لا يمل من تصفح العبارات لا تمل منه الكلمات مطلقا، تواسيه حين يتحدث، وتجلس بجانبه حين يتكلم، وتنسج المعاني في ذهنه وهو نائم فتوقظه ليكتب قبل أن يعتري ذلك المعاني النسيان كل هذا سببه تلك الوصفة السحرية وهي القراءة.

لكن هنا تأتي اللحظة المحزنة التي يقترب فيها القارئ من مغادرة هذا العالم، الذي عاش فيه أروع اللحظات، وتمتع بروعة المعاني وجودة الكلمات، وعاش بين الأحداث التي نسجها الكاتب خاصة في الرواية، وتتبعها إلى آخر مسار، وها هو الآن يجد اللغز الأخير الذي يجعله يفارق عالما من أروع العوالم، وحالما يصل إلى الكلمة الأخيرة ينتابه شعور بالأسى والحزن، فيغلق دفة الكتاب ويخرج من ذلك العالم وهو غير راض عن نفسه لأنه سيصطدم بالواقع المر، لكنه صاحب الوصفة السحرية لذلك سيبحث دائما عن ذلك العالم ليعود للعيش فيه فارا من ضغوطات الواقع. لذلك عزيزي القارئ لا تتخلَّ عن وصفتك السحرية فلن تجد عالما يأويك حين تمل من الواقع غيرها!

1xbet casino siteleri bahis siteleri