الوعي المجتمعي في مواجهة كورونا

1

منذ ظهور فيروس كورونا المستجد والعالم أجمع يستقي أخباره ويتابع ردود أفعال الدول والحكومات لمنع انتشاره. وقد تصدرت المقالات والأخبار المتعلقة بالفيروس مواقع التواصل الاجتماعي، وبات حديث عامة الناس، بين من يؤكد أنه عقاب إلهي وبين من يعتبره أداة حرب بيولوجية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. وباختلاف التأويلات والقناعات، اختلفت ردود أفعال الأفراد تجاه جائحة لم يعرف العالم مثيلا لها منذ قرابة القرن.

بإعلان أولى حالات الإصابة ببلادنا، اتخذت الجهات المعنية مجموعة من القرارات بغية الحد من انتشار الفيروس، قرارات ارتفعت درجة صرامتها بارتفاع أعداد المصابين، لتضمن بذلك للمنظومة الصحية متابعة الحالات المؤكدة وإمكانية استيعابها، وبهذا يمكن تجنب ارتفاع سريع ومهول في عدد المصابين قد يدخل البلاد في متاهات لا خروج منها. إلا أن سؤالا يطرح نفسه بإلحاح هنا، أيمكن التغلب على الفيروس وكبح انتشاره بتعزيز الإجراءات الصحية والقرارات الرسمية فقط، أم أن هناك عوامل أخرى؟

أكد الخبراء أن الوعي بهذه الجائحة يمثل الورقة الرابحة لمواجهته، وهذا يعتمد أساسا على مستوى الوعي المجتمعي الذي يدفع إلى تطبيق إجراءات وقائية متعلقة بكل فرد، نظرا لسرعة وسهولة انتشار الفيروس، والهدف حماية الفضاء المشترك من المقاهي، والمطاعم، والمحلات التجارية، ووسائل النقل العمومي والمساجد…مما أدى بدول عديدة من بينها المغرب إلى الحد من التجمعات البشرية وذلك باتخاذ زمرة من الإجراءات، كتوقيف الدراسة وإغلاق الفضاءات المشتركة. إلا أن نجاح هذه الخطوات مرتبط بانخراط جميع أفراد المجتمع في احترامها وتطبيقها. وما شهدته منصات التواصل الاجتماعي من تنكيت وتهريج بخصوص الموضوع، يضع أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرتنا كشعب على تخطي هذه المرحلة.

في ظل هذه الأوضاع، اجتهد العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في ابتكار نكات وخرافات حول الفيروس، مما يعكس استهتارا واستهزاء، إن دل على شيء فإنما يدل على غياب الوعي الصادر من فئة يفترض منها حمل مشعل التوعية والارتقاء بفكر هذه الأمة العليلة. هذا دون أن ننسى فئة من المغاربة الذين غلب عليهم الهلع والفزع، فتسابقوا إلى المحلات التجارية يكدسون المؤن والسلع، متناسين أنهم بسلوكهم هذا يعرضون أنفسهم وغيرهم لخطر الإصابة بالفيروس، ومتناسين أن بإفراغهم لرفوف المحلات ساهموا في غلاء الأسعار على الفقير والمعدوم. هذا المستوى من الأنانية واللامسؤولية لا يمكن إرجاعه إلا لطبيعة دفينة في كل نفس بشرية، فمهما ادعى الإنسان الرقي في الفكر والحداثة في العيش، تُظهِر هذه الأوضاع، وككل مرة، أن الإنسان أناني بطبعه، يميل إلى تفضيل نفسه على غيره، ولا يمكنه أن ينسلخ من طبيعته هاته إلا بالإيمان الحقيقي بقوة إلهية أكبر وأقوى، تطمئن روعته وتثبته عند الشدائد والكوارث. كما ظهَر أن شوارعنا ومدننا لا تزال تعرف نشاطها المعتاد، فقد اتخذ الشباب من توقيف الدراسة فرصة للتجمع في الأزقة والشوارع، واتخذت النساء من بقاء أطفالهن في البيوت ذريعة لأخذهم إلى الحدائق العامة والاجتماع فيما بينهن، ناهيك عن الحلقات المعتادة لرجال مسنين، إن أصابهم المرض فتك بهم فتكا، منغمسين في لعب الورق وما شابه.

إلا أنه وعلى وقع هذه الفوضى، لا يبغي أن نغفل مجموع المبادرات التي استهدفت مختلف فئات المجتمع باختلاف مستواها الثقافي والاجتماعي، والتي أعطت أكلها في غضون أيام معدودة، فقد تجند بعض مؤثري منصات التواصل الاجتماعي ومعهم العديد من مرتادي هذه المواقع لإبادة الأفكار الخاطئة وتصحيح المغالطات ورفع اللبس عن الموضوع، كما حرصت السلطات على توعية المواطنين عبر حملات مباشرة مع السكان رافقتها حملات مكثفة عبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، دون أن ننسى أن هذه الأزمة أظهرت حسا تضامنيا ووطنيا عاليا بين المغاربة، بدءا بإعلان البعض استعدادهم للتطوع من أجل البلاد، مرورا بتنشيط البعض الآخر لحملات التضامن والتكافل مع الأسر المعوزة الأكثر تضررا، وانتهاء بالتبرع الإرادي لصندوق مكافحة الفيروس، يضاف إلى كل هذا، القرارات الرسمية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وكذا الإجراءات الاحترازية التي استبقت تفشي الفيروس، ووجهت بذلك المغرب نحو السكة الصحيحة لتجاوز هذه المحنة بأقل الأضرار.

إن النجاح التدريجي في احتواء التصرفات الخاطئة والمعلومات المغلوطة يعد في حد ذاته نجاحا باهرا وانتصارا غير مباشر على الفيروس، ثم إن هذه المبادرات التي بدأت تعطي أكلها ولاقت استجابة واسعة من طرف المغاربة، ليست سوى خطوة أولى في طريق شائك وملتوٍ نهايته شعب واع خلَّاق. وهؤلاء الشباب المتطوع السباق للخير هم بصيص الأمل الذي يعول عليهم الوطن في بتر جذور التخلف، فالحرب كما يبدو لا تقتصر في القضاء على الفيروس فقط، بل تشمل كذلك وبالخصوص النهوض بأمة أنهكها الجهل وعصف بها غياب الوعي، وهو ما يبدو جليا أمام كل اختبار نمر به.