الوعي المجتمعي

196

المدينة الفاضلة ليست مستحيلة التحقق كما يعتقد الكل، الأمر وما فيه أننا مذ بدأنا نعي الأشياء من حولنا ونحن نسمعها تتردد على أفواه محيطنا في سياقات يمكن تلخيصها في جملة واحدة: “أفق من حلمك، فأنت لست في مدينة أفلاطون الفاضلة.” عبارة وإن كانت بريئة المقصد إلا أنها كانت قادرة بالفعل على تحطيم، وقتل ودفن أي نظرة تفاؤلية للمستقبل، أي تغيير، أي رؤية جديدة أو أفق جديد. يقال إن الحلم سيبقى دائما حلما يجوب مخيلاتنا دون أن يجد منها مفرا إلى أرض الواقع، لكن متى ما جعلناه هدفا حينئذ فقط سيتسنى لنا تحقيقه. ولعل هذا السبب في أننا نجد أنفسنا ومجتمعاتنا بعيدة كل البعد عن النموذج المثالي لما يجب أن تكون عليه المدينة المجتمع. إن فكرة أن المثالية غير موجودة هي فكرة صحيحة تمام الصحة بل غير قابلة للنقاش، حتى أن الكمال لله وحده. لكن أن تسعى للكمال وتفشل أفضل بكثير من أن تسعى لأقل من الكمال فتفشل. فالأولى وإن لم توصلك للقمر فعلى الأقل ستمكنك من لمس النجوم. حري بنا إذن أن نغير من فكرة استحالة إخراج مجتمع مثالي لأرض الواقع وذلك بجعلها هدفا لا مجرد حلم نمني به النفس ونعلق عليه فشل منظومتنا المجتمعي، وما أظن أن هنالك من شيء يمكن القيام به للنهوض بمجتمعاتنا والعالم أفضل من الارتقاء بمستوى تفكير المواطن الذي يمثل أساس المجتمع.

إن تحقيق قفزة تنموية والنهوض بمجتمع ما، يقتضي بالضرورة أن نضع نصب أعيننا فكرة أن الإصلاح يبدأ من القاعدة، وأنه لطالما القاعدة هشة وتعلوها التشققات من كل حدب وصوب فلن يكون هناك مجال للبناء. وهذه القاعدة هي في حقيقة الأمر، الوعي المجتمعي. إلا أن هذا الانتقال يقتضي أولا الخروج من إطار الوعي الجماعي الذي يسوده الجهل والمعارف المسبقة مع مزيج من الدغمائية المتطرفة بشعار: “هذا ما ألفينا عليه آباءنا.” إطار حيث كل أفكارنا، أقوالنا بل وأفعالنا أصبحت مبرمجة، نقوم بها بدون وعي وبدون أن نسأل أنفسنا عن السبب حتى…فترانا في بعض الأحيان نقوم بأشياء بطريقة ما فقط لأننا رأينا الجميع يقوم بها بهذه الطريقة.

يحكى أن امرأة كانت كلما أرادت طهو السمك تقوم بقطع الرأس والذيل، وفي يوم من الأيام سألتها جارتها عن السبب فأجابتها أنها وجدت أمها تفعل نفس الشيء. مرت الأيام واتضح فيما بعد أن أمها إنما كانت تقطع رأس السمكة وذيلها لأنها لم تكن تتوفر على مقلاة أكبر بقليل تسع السمكة كلها.

لست أشك أبدا في أن الكثير من الأفكار التي لا زلنا متشبثين بها إلى الآن بل والتي أصبحنا نصل بسببها إلى مرحلة التعصب الفكري ومجادلة بعضنا البعض، هي في أغلبها تفتقر إلى الصواب أو إلى الموضوعية إن صح القول. نجادل بعضنا البعض كآلات تم شحنها بمجموعة معلومات من خلال الأسرة، والمحيط والمجتمع وأصبحت تعتبرها كقاعدة بيانات لا مجال لتغييرها أو تبديلها لأنها صارت معيارا للصواب والخطأ.

مقالات مرتبطة

إن هذا الأمر منطقي، فأنا باعتباري آلة فما هو غير موجود في قاعدة بياناتي هو خاطئ ولا يمت للصحة بصلة، ولن أتمكن من التعرف عليه ومعالجته، لكن الأمر المحير هنا هو هل فعلا أصبحنا مجرد آلات تستقبل المعلومات وتعيد توزيعها ونشرها دون بذل أي عناء لتمحيصها والتدقيق فيها؟ أم هل بجعلنا معرفتنا القبلية تلك من المسلمات، نحاول أن نبقى في منطقة الراحة ونتهرب من تحمل مسؤولية أفكارنا؟

إن السؤال الذي يمكن أن تطرحه عزيزي القارئ هنا هو: كيف سيتسنى لنا تنمية هذا الوعي المجتمعي وكيف سنتمكن من خلخلة الأفكار التي لن تدفع بعجلة التنمية إلى الأمام؟

إن الجواب بسيط، فلا يختلف اثنان على أن المواطن كيفما كان يتم بنائه من خلال جهازين رئيسيين: الأسرة والمدرسة وآخر ثانوي والذي يتمثل في الشارع. إذن إن نحن تمكنا من استئصال بعض من تلك الأفكار والمعتقدات السامة التي يحقن بها أي فرد في رحلة بنائه، حينئذ يمكننا أن نتيقن أن مصير المجتمع بين أيدي أبنائه الآمنة. إن التحدي الحقيقي إذن يكمن في القدرة على تغيير تلك المعتقدات، والأفكار والتصرفات التي باتت متجذرة في عمق هوية الفرد وإقناع الأفراد بأفكار جديدة ستفتح أمام المجتمع أبواب التضامن، والتآخي، والعدل والإنصاف والديموقراطية الحقة؛ حيث الفاعل الرئيس في هذه المنظومة هو المواطن؛ لأنه من البديهيات أن صلاح المجتمع من صلاح الأغلبية وصلاح الأغلبية من صلاح الفرد المواطن.

إن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، وبعدما رأى ما لحق بغاليليو من حرق من طرف الكنيسة بعد إتيانه بفكرة دوران الأرض حول الشمس ومقولته الشهيرة قبيل تنفيذ الحكم عليه: “و لكنها تدور” دفعت ديكارت لأن يؤخر نشر كتابه “تأملات ميتافيزيقية” الذي يتضمن أفكارا جديدة صادمة للكنيسة والمجتمع الفرنسي آنذاك، وقرر تمهيد المناخ والمستوى الفكري الملائم لتقبل كل تلك الأفكار. لذا حاول من خلال كتابه “مقالة في المنهج” أن يضرب في كل المعارف المسبقة وأن يدعو الجميع إلى الشك في كل شيء ما عدا الشك في الشك لأنه تناقض. لتأتي مقولة الكوجيتو الغنية عن التعريف “أنا أشك، إذن أنا أفكر. أنا أفكر، إذن أنا موجود”. استراتيجية أتت أكلها بالفعل وتمكنت من التشجيع على استخدام العقل وبناء معارف حقيقية، مبنية على حجج من شأنها الرقي بالمجتمع لا مجرد معارف سطحية يتم اختراعها، تداولها وتوريثها من أجل تحريف المسار الصحيح.

إن إمكانية الرفع من تطور مجتمعنا والرقي به إنما يعتمد بشكل كلي على مدى انخراط الأفراد وتذويب مصالحهم للرقي بالمصلحة العامة والتي ستعود بالنفع على الكل. وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا إذا تركنا وراءنا الجشع، والأنانية، والزبونية والمحسوبية وغيرها من النقط السوداء التي لا تنفك حتى تعكر صفو المجتمعات قاطبة. وخلاصة الأمر أن الأهم من أن نمتلك رأيا، أن نكون مقتنعين به وقادرين على الدفاع عنه بمنطق العقل وليس بمنطق التقليد، هذه هي الخطوة الأولى في رحلة بناء وعي مجتمعي قادر على محاكاة مدينة أفلاطون الفاضلة.