بناء الإنسان

كلمتان من العيار الثقيل، الأولى “بناء” وتحيل على ورش عظيم يرمي إلى جعل أرض خاوية إعمارا يلبي حاجات الإنسان. هذا الإنسان الذي قال عنه الله تعالى: {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا}. فإذا كان البناء يشترط هندسة محكمة وخططا وشروطا؛ فإن لبناء الإنسان شروطا أكبر وأكثر تعقيدا.

فهذا الورش يحتاج إلى وعي بأن هذا الكائن ثنائي التركيبة، من جسد وروح يحتاج إلى بناء، ليتم التفاعل الصحيح بين مكونيه، ويحتاج كذلك إلى من يستوعبه ويعي جديته، أي إلى أشخاص فطنوا زيف حياتهم اليومية ووتيرتها المسرعة، وملوا القطار الاعتيادي فاستأذنوه على أساس وقفة لتصحيح مسارهم، أولئك فضلوا الوقوف أو التراجع بدل التقدم في مسار خاطئ كما قال فيلسوف صيني: “أحتاج خطوة للوراء وخطوتين للأمام كي أتقدم”.

ومن أجل العثور على الوجهة الصحيحة لمسار البناء، لا بد من بحث معمق في مكنون الذات. لا بد من التوغل في أسرار الكون ولا يتم ذلك إلا بعطش حقيقي وحرمان دفين. وهذا الحرمان في لحظة من العمر يكون رحم العزلة السلطانية والوحدة المنشودة من أجل الإبحار في أعماق الذات. ويشترط الإبحار، قوة تخول للمرء تحمل هذه الوحدة، بالإضافة إلى شحذ الهمم، ليست أي همم بل همما تليق بتحديات الزمان وعقبات المكان.

وهذه القوة لا تنتج إلا عن قلوب وعقول من حديد، لا يسحقها ضغط ولا تخشع إلا لمحترفين في الحدادة،ثم إنها لا تنصهر إلا بدرجات حرارة مرتفعة.

هذه المعركة التي يتلخص فيها العدو في الذات عينها، تتطلب تسلحا مناسبا؛ بالعلم والمعرفة والبحث المستمر. وأكبر تجل لهذا التسلح هو القدرة على طرح الأسئلة الكبرى التي تليق بهذا الورش.

من أجل ذلك وجب على الإنسان قراءة ذاته من خلال الآية {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} منطلقا من القرآن ثم من خلال كتب يجد ضالته فيها وتكون له بمثابة المرآة؛ لأن المادة الخام لصناعة الإنسان هذه، هي الفكرة. والأفكار لا تنتج إلا عبر القراءة، بالإضافة إلى أن المرء يحتاج إلى هجرات متعددة، تبتدئ من جوهره ثم الهجرة الفعلية التي تعكس إنسانيته في تجل أوسع من مستقره.

هذا البناء المتزن مقترن بموعد محدد، موعد الخلوة الحاسمة التي يستحسن فيها الإبكار لكي يتسنى لكل واحد الإبحار أكثر، والتفكير في هندسته ومواقفه بشكل أريح. حتى إذا وصل عليه ركب جيله وجد تجلي إنسانيته جاهزا فلم يستقدمه ساعة ولم يستأخره.

ثم إن منا من يمضي بهذا الورش ويستمر ومنا من ينقطع؛ هؤلاء يعيشون نقصانا دائما. ومنا من يموت على الطريق، لذلك فلا ضير أن يرمي الإنسان خلال رحلته بشذرات عن أسرار بنائه حتى إذا جاء أجله كانت له شتائل تحمل المشعل من بعده.

وختاما، فالمرء لا يكون إنسانا في كامل تجلياته إلا مرات معدودة في العمر، فهو يظل طوال حياته متسلقا جبل المعارف والقيم. – هذا إذا كان من أهل الهمم-، ثم تأتي هذه اللحظة الإنسانية المطلقة فتكون بمثابة سقف لبنائه العتيد ويتحقق ذلك عند إدراكه بأن هذا المسار منطلق أساسا من التجلي الرباني فيه، وصولا إلى ربه طبقا لقانون: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.