بين الوهم والحقيقة: كرم المغاربة

يحل رمضان فنتآزر قصد توفير قفف غذائية للمحتاجين، يليه عيد الفطر فنحاول زيارة الأيتام للتخفيف عنهم ما استطعنا، يقترب عيد الأضحى فنسارع بتوفير أكباش تفرح صغار من لا قدرة لهم على ذلك، وكذلك الحال بالنسبة لانطلاق السنة الدراسية، كما في الشتاء القاسي على من لا مأوى لهم، وعاشوراء… إلا أن السياق هذه المرة مختلف؛ محنة ليست كباقي المحن، اختبار مغاير لما ألفناه من الاختبارات الإلهية، كربة أحسسنا بثقلها أكثر من الكرب السالفة: جائحة فيروس كورونا المستجد!

ركود في الاقتصاد، جمود في السيولة المالية، توقف التجارة، إغلاق لأبواب المصانع…حالة طوارئ قصوى لم يسبق لها مثيل، استدعت تدخلات مستعجلة وآنية! وهاهنا بالذات، أظهر المغاربة معدنهم النفيس، معدن ساهمت في تقويته حظارات توالت على حكم المغرب، ولعل أبرز ما يميزها: الذاكرة الإسلامية المشتركة. ونذكر في هذا الصدد الحكامة الرشيدة لحكام المغرب وسلاطينه، التي تمثلت خاصة في تحركات أبي العباس السبتي الموحدي، والذي، في الوقت الذي نهجت فيه أوروبا حرق مصابي الجذام تدبيرا لإيقاف تفشي المرض، كانت له قدم السبق في عزل مصابي الجذام في أماكن خاصة أطلق عليها اسم “الحارة” قصد الاهتمام بهم ومعالجتهم، وقد شيدت بمقربة كل من فاس “حارة باب الخوخة”، ومراكش “حارة باب أغمات”، و”حارة بقرية أولاد سبيطة” (إقليم سيدي بنور حاليا). وقد تجدد الأمر نفسه مع الملك محمد السادس الذي أمر بإنشاء الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا، والذي قابله المغاربة بسخاء وعطاء ضاربين في الأفق؛ إذ بلغ مجموع التبرعات 32,7 مليار درهم إلى حدود الثامنة عشرة من شهر ماي المنصرم.

وليس تضامن الشعوب من أجل احتواء الأزمات وليد العهد، فكما يخلد التاريخ أيضا، بعد الأزمة الاقتصادية الموجعة التي تكبدتها كوريا الجنوبية سنة 1997، والتي أعلنت الدولة إثرها عن إفلاس وطني دفع بها إلى اللجوء للاقتراض المذل من صندوق النقد الدولي، أخذت تداعيات هذه الأزمة في التنامي يوما بعد يوم، إلى أن قرر المواطنون التوجه إلى بلديات المدن، عن طيب خاطر، وأيديهم محملة بالذهب قصد التبرع به للدولة، وقد بلغ إجمالي التبرعات من الذهب ما يقارب 2,2 مليار دولار، أي ما يعادل في زمننا هذا 3,5 مليار دولار إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التضخم الحاصل بين سنتي 1998 و 2020.

مقالات مرتبطة

إن ما ميزنا -المغاربة- خلال أزمة كورونا عن سائر شعوب العالم، هو أننا لم ننتظر أن تقوي الأزمة الاقتصادية شوكتها، أو أن ترتفع نسبة الوفيات جراء الانتحار ب 50% كما حصل بكوريا الجنوبية بعد الإفلاس الوطني. ولكن كان مثلنا في توادنا وتراحمنا وتعاطفنا كمثل الجسد الواحد، ما إن اشتكى منه عضو -البروليتاريا- حتى تداعى له على وجه السرعة سائر الجسد بالسهر والحمى؛ سهر رواده جنود الصف الأول، الأطباء ورجال السلطة، اللذين لهم منا أسمى تحيات الاحترام والامتنان.

لكن لماذا تبقى هذه المبادرات موسمية، ومرتبطة بالأزمات التي تمس مختلف الشرائح المجتمعية؟ أو على الأقل، لماذا لا نشهد هذه الحفاوة في العطاء إلا وقت المحن؟ هل تضامن المغاربة وقت الشدائد بات مجرد عرف متوارث بين الأجيال؟ أم هو فعل ناتج عن شفقة إنسانية صادرة من المواطنين تجاه إخوانهم المتضررين؟ أم أنه يعبر عن خوف الناس من أن يطالهم الضرر هم أيضا؟

يمكن القول إن مجمل هذه التساؤلات تميل نسبيا إلى الصحة، فمن المغاربة من تحرك بوازع ديني، ومنهم من تحرك بوازع أخلاقي، ومنهم من تحرك لتأثره بقساوة الوضع وخوفه من أن تحكمه قبضة الأزمة الاقتصادية يوما ما، في حين أن فئة أخرى يتبين أنها لم تتحرك إلا رياء الناس. ولكن الأهم هو أن هذه الأعمال التطوعية، مهما كان الدافع وراءها، ساهمت في تخفيف العبء، فالظرفية الحرجة التي مررنا بها لم تسمح، إلى حد ما، بمناقشة النوايا وتصحيح السلوكات. ولهذا، لا يسعنا أن نقول إلا: اللهم اعط منفقا خلفا، واللهم اعط ممسكا تلفا.