بين طيات الكتب الروائية

مما لا شك فيه أن الرواية صنف من أصناف الأدب الذي لا يستهان به، كتب طبعت معها أسرارا تتم ترجمتها إلى واقع ملموس لتترك أثرا في نفوس من يقرأها، لطالما كانت ولا تزال تؤنس تلك الوحشة فتذهب بنا إلى عوالم أخرى، حيث لا شيء أحب إليك منها، تمتع بها نفسك وتغذي روحك، تبهر بما تحويه من أحداث تتشوق لها الأسماع والأنظار.

الرواية تجربة مميزة تجعل الكون من حولك يتلاشى، فتذهب بك إلى حيوات غير الحياة التي تعرفها ترى خلالها الأشياء من مناظر وزوايا مغايرة، ربما تعزز أقوالك أو تتناقض مع أفكارك، فإما تستسلم لها أو تتشبت بأقوالك.

تسبح بك دون أخذ سابق إنذار في شواطئ مخيلتك لتستقر في جنة من الرقي والإبداع، تجد نفسك منغمسا فيها، عاجزا عن السيطرة عليها، مستمتعا منذ أول لحظة بدأت فها بالإبحار.

يكمن تميز الكتابة الروائية في كونها تحبس الأنفاس بقدر بجعلك تتأثر بها بشدة، فتمر ببعض التفاصيل التي لم يسبق لك المرور بها قط، وهي بذلك تمنحك أكثر من حياة؛ تمنحك تجارب لم تستطع خوضها من قبل، فهي قادرة على إشباع الفضول الكامن بداخلك.
قد تجد في بعض الأحيان أحزانك قابعة بين الصفحات لتجدد آلامك، وشيئا من همومك التي قاسيت فجائعها، وحتى الإخفاقات وخيبات الأمل التي لم تسلم من سمومها.

وكذا ستجد أفراحك التي فرحتها، وإنجازاتك التي نسيتها ودفنها الدهر؛ إذ ستحييها تللك القصص من جديد وكأنها تريد الاحتفال معك، لتصبح أنت والرواية واحدا بينكما رابط متين، يجمعكم الشيء نفسه.

استمتع بكل حرف تمر عليه، تخشع في الكلمات وبين السطور، تأمل ما تحمله الرسائل، ستشعر وكأنها تكلمك وتقصدك، وستترك لك حتما إشارات تقودك إليها.

مقالات مرتبطة

يجب أن تكون على علم بأن للحياة قواعد صعبة وهي المرور بتجاربها، لكن تذكر أن الرواية تختصر الطريق وتجنبك شقاء السنين؛ فهي تدلك على تجارب عاشها أحد ما تجعل منك شخصا واعيا لا يبدو أجوف من الداخل.

وكما قلت، فالرواية تروي أحداثا من أجل عبرة، من أجل حكمة عاشها أشخاص استوطنوا ذلك العالم لتتخيلها أنت وتجدي بها نفعا، تجعلك تتفاعل مع العالم، تعينك على تقبل مختلف الآراء وفهم وجهة نظر الآخر، تجعلك تتقمص مختلف الأدوار، تعيش سلسلة من الوقائع لتغوص في جوهرها.

تلمح في الأسلوب القصصي كلمات وخواطر تضم تلك الأحاسيس والمشاعر، كلمات تخفي معاني بقدر ما تخفيه الكهوف، منطق كمنطق البحر، تماما بلا منطق، يترك قلبك لفظاعة الأحداث، فإذا بالكاتب يقودك إلى وقائع لم تكن بالحسبان، ضاربا بتلك الظنون عرض الحائط.

إنها كتب مبهرة تسمو بك إلى أرقى مستويات الذكاء الإبداعي وتنمي مهارات التخيل وقوة الذهن، لتكون السبب وراء تلك التصورات التي تطرأ بذهنك وتحسن نسجها، فهي تطور من قدراتك العقلية.

تكمن اللذة في هذا النمط باعتباره مزيجا بين الخيال والواقع تربط بينهما قنطرة تجوب من خلالها وجهات متعددة فقط من مقعدك، تأخذك إلى أحداث تعيش فيها المر والحلو، تستسلم لتسلسل الأحداث فيها وتدقق في التفاصيل دون كلل أو ملل، لا تشعر حينها بمرور الدقائق والساعات، فقط تحس بمتعة الوقت الذي تمضيه في القراءة والذي لا ترجو له انقضاء، ستصبح مولعا مدمنا تطلب المزيد والمزيد لتروي عطشك وتسد حاجة أضحت ضمن أولوياتك، ستحبب الروايات إليك القراءة لا محالة.

“وإن سألوك عن السرور فإن المسرة خلوة بكتاب.”