تحية إجلال لكل طبيب

161

في مسيرة أختي الدراسية، والحفظ ثم الفهم فالتدريبات في المستشفيات كنت أستمع لكل كلمة منها، حتى صرت أفقه مسيرة كل طبيب، وأعلم من هو حق المعرفة، بتعبه وحبه وتضحياته بالجميع للجميع، ومصافحته للموت في كل مرة يلبس فيها لباسه الطبي ويدخل بيمناه المشفى.

من منا يعلم معاناة الطبيب مذ وضعه لشهادة الباكالوريا في كلية الطب؟ كأنه ودع الحياة لغير حياة، كأنه دخل عالما تطير فيه الملائكة يصافحها وتبتسم له، ويقول لها ها هي معركة أخرى، لندعو الله عسى أن يتقبل منا وينقذ صديق اليوم من موت حتمي. أصبح الطبيب شبيها بالملائكة على بلاط بلون ترابي لا يحمل عرش الرحمن، لكنه بالضرورة يحمل أجسادا نفخت فيها روح الرحمن. يتصارع والقدر في كل نفس يتنفسه حتى تكاد تجزم أنهم أعداء في ساحة معركة في شوارع الحياة، حتى يفوز واحد بالروح ويخسر آخر، للانتقال لجولة أخرى حتى يفنى أحدهم.

كأن تعب الطبيب أصبح حراما في الأمة، روبوت لا يشتكي، ليست له مشاعر مما رأى ما حجر قلبه، ولعل أحاسيسه تتلبد حتى تبددت، لتحسبه قد ولد بلا قلب، هل يبكي أمامك ويستسلم ليربحه القدر ويأخذ منك عزيزا؟ كأن الله أودع في الواحد منهم ما أودع في أمة من الشجاعة والأمل والصبر، وهذا بحساب بسيط نجده عادلا لإنسان شهيد اللحظة، صديق الحياة، العدو اللدود للموت.

مقالات مرتبطة

أطباؤنا الكرام، يعتبرون المثال الحي العملي للآية {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} فوحده يعلم حجم الصعاب التي يواجهها في العمليات وإنقاذ الناس، فحق عليه تشريفه من فوق سبع سماوات من قبل أرحم الراحمين. والإحياء بيد الله وحده، يوزعها على أطباء الأرض لكي يجاهدوا بها فهم جنوده وأسبابه. وجهادهم كما في الغزوات، يتطلب تنظيماً، واستعدادا نفسيا وجسديا، فعلى الطبيب أن يتسلح للمجهود، فكما الإنسان مجهول المعالم لا يعرف له حل واحد إذا مرض، فالطبيب لا يعلم ما سيواجهه فيدخل المعركة بعلمه وتوكله على الله حتى يأذن الله بالنصر. وإن كان الطبيب في الساحة لوحده متسلحاً بالقليل، وشبح الموت يصوب من كل جهة، فإيمانه بالله وحده يجعل له جنوداً لا يراهم، يعينونه وينقذون ذلك الإنسان.

مرت على مسامعي، قصص بطولية ومؤثرة لأطباء حاربوا لآخر نفس، أجملها قصة حادث عنيف لرجل كان مخمورا، يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي طبيبين، الأول لا يزال شاباً والثاني كبير في السن يعينه بالتنفس الاصطناعي ويرجوه كي يستيقظ ويعيش وإن كانت نسبة نجاته ضئيلة، عند وفاته، سأله الطبيب الشاب لماذا كان مصراً لتلك الدرجة على أن يعيش الفقيد، فقال له: لم يحب أن يلقى الشاب ربه في هاته الحالة سكيراً.

رأيت بعداً آخر للطبيب، مع أنهم يدعونه بالقلب البارد لما رآه في التداريب منذ الدراسة، رأيته يهيئ أجمل الناس، سواء للآخرة أو للدنيا، كأنهم يخرجون أناسا آخرين تعلموا دروساً شتى في أعين الأطباء في كل مرة ينجون من الكارثة.

الآن، ونحن في جائحة، قدرها الله علينا ولله الحمد، تغيرت معالم العالم، واختلت موازينه، وظهر الحق وعرفنا خلل الأرض، وظلم الأطباء والأطر الطبية والخلل الذي فيها، وسبب المظاهرات التي كانت لأجلهم. اليوم يقف العالم إجلالاً وتكريماً ودعاءً لأطباء العالم كله، لا نفرق بين أحد منهم، كأنهم روح واحدة، تتحرك في تناسق وتناغم، متيقنين من الفوز في المعركة في الأخير، لكن خسارة الأرواح في كل مره تعيي قلوبهم إلا أن يسمعوا قلباً آخر ينبض ليعيدهم إلى الحياة، نحن نحييهم بصمودنا لو تعلمون.

مهما طالبنا بإنصاف لهم، فلن ينصفهم إلا الحق وحده.