تغروين!

0

أيام الطفولة والصبا، عندما كنا نرتع في شارع رأس الخيمة بمدينة العيون، كنا نستيقظ صباح كل عيد على الأصوات المتهدجة والمتغضنة وهي تنادي أطفال الحي “لفريك”: “تغروين يا لمعايل!!! فنهرع لتلقي ما تيسر من الحلوى والتمر وربما حتى قطع السكر أو حفنات الزرع المحمص التي كانت تجود بها علينا نساء الحي المسنات..

كلما فتحنا البوم الصور التي غالبا ما كنا نلتقطها في تلك المناسبات، تسللت تلك الأصوات الطيبة، وتسرب عطر “لخميرة” الذي كنا نشمه عندما نقبل رؤوس العجائز شاكرين، ونتحسس بلؤم الضفائر المتكومة تحت ملاحف “الشگة” المائلة إلى السواد، التي تخزن عددا لا بأس به من قصص الجدات ونوادر الزمن..

آنذاك، كنا نفتح أيادينا بكل براءة وعفوية الدنيا، لنستقبل ما أفرزه حظنا، فرحين بغنائمنا البسيطة، لم نكن نعرف ما يعرفه أطفال هذا الزمن من أخبار الجرائم والعنف، لذلك كانت تلك العادة مستمرة ورائجة، لما لها من معاني التكافل والتعاضد الاجتماعي الذين يميزان المجتمع الصحراوي..

“تغروين” تعني الدعوة إلى تلقي الفرحة والسعادة، اما “لمعايل” فترمز عادة إلى الذكور، إلا أنها وفي سياق النداء هذا، تعني الإناث والذكور من أبناء الحي، نادرا ما يخصص النداء وتدعى “الطافيلات” دعوة خاصة. كنا نسمع تكرار النداء وهمهمة لم نعرف مغزاها إلا بعد سنوات: “صدكة الصلاح، يا رب يفكنا من النواح ويخلي لمراح، يزيح عنا اللي ما انگدو بيه، يرد غيابنا وأحبابنا ويشفي مرضانا ويرحم موتانا وأفكنا من البلا والبلية والدعوة لمحالية ويجيرنا من النار ويجير منها والدينا والغالي علينا واللي يسالنا حق”، كانت الكهلات يتقربن بتوزيع الصدقة على الصغار، بغية النجاة من النواح ومما هو فوق طاقة التحمل، ولرد الغائبين وشفاء المرضى ورحمة ونور على الأموات..

عادة ما كانت النسوة يحافظن على طقس خاص في توزيع “تغروين”، حيث تطوف الواحدة منهن ثلاث مرات في الحي، محملة بحمولتها البسيطة، داعية أطفال الحي إلى الخروج، مشددة اللهجة أمام المتقاعسين والمتباطئين، ناهرة المتحايلين الصغار الذين يرومون الضعف أو أكثر، وهي عادة الأمهات والجدات زمن الخيام، عندما كانت الواحدة منهن تطوف بخيمتها ثلاث مرات وهي تردد تلك اللازمة “تغروين يا لمعايل”.

أما اليوم، وفي ظل انتشار مواقع الأخبار التي لا تزف إلا ما من شأنه أن يثير الخوف والذعر، فقد اندثرت هذه العادة المنبثقة من الدين الإسلامي الحنيف، وأصبح الصغار كما الكبار يتخوفون من كل ما يقدم لهم مجانا، متحرين تاريخ الصلاحية وشروط النظافة، ضاربين عرض الحائط بالموروث الشعبي..

بذلك تضاف عادة أخرى إلى سلسلة العادات التي لحقها الاندثار والتلاشي، وغيب دور العجائز وراء الجدران، وأمام شاشات التلفاز، فلم نعد نرى ما كنا نراه في التسعينات، حيث كان يفرش لذوي الشيبة أمام أبواب المنازل، متربعين على حصائر تقليدية، ليمارسوا سلطة “الشيب”، منبهين ومحذرين وحتى معاقبين.