تمثلات دينية حول الجسد

يندرج هذا الموضوع في إطار اهتمامات علم الاجتماع الديني بظاهرة الجسد وعلاقته بالممارسة الدينية لدى الأفراد المتدينين داخل المجال الاجتماعي. وقد يبدو للبعض أن مسألة الحديث عن الجسد لا أهمية له في زمن أضحى فيه العقل والروح مقياسين لكل شيء. بل على العكس من ذلك، فإن للجسد قيمة أساسية تحظى بجانب واسع من الاهتمام المعرفي والفكري لبلورة رؤية موضوعية أكثر جرأة ووضوحا، مع العلم أن التفكير في الجسد في ظل الثقافة الإسلامية قد تم وضعه في خانة المسكوت عنه، باعتباره مصدرا للنجاسة والفتنة والرذيلة. أو هكذا يبدو للبعض، جسدا يجلب العار أو أنه نبع دنس. لكن حينما نتأمل ونفحص النصوص الدينية في القرآن الكريم، وفي بعض الأحاديث النبوية، نجد الجسد يحظى بأهمية قصوى، مع الحث على التعامل معه على نحو أصح، والرفع من شأنه وقيمته، من حيث ممارساته وتمثلاته. ولكي نوسع من فهم ظاهرة الجسد وارتباطه بالفرد المتدين، فإنه يمكن طرح الإشكالات التالية: كيف يتمثل الفرد المتدين المسلم جسده؟ وكيف يحضر مفهوم الجسد في المنظومة الدينية عبر القرآن والسنة؟

في تحديد مفهوم الجسد
في أفق مقاربة هذا الموضوع، تجدر الإشارة إلى التركيز على كثرة المدلولات المرتبطة بمفهوم الجسد، تتنوع حسب الحقول المعرفية، فالتحديد اللغوي للجسد مختلف عن التعريف الطبي والسوسيولوجي والسيكولوجي والفيزيزلوجي. وبالرجوع إلى معنى الجسد لغة، نجد ابن منظور في معجمه لسان العرب، يعتبره جسما للإنسان، وبذلك يقول: جسد، الجسد: جسم الإنسان ولا يقال لغيره من الأجسام المغتدية ولا يقال لغير الإنسان جسد من خلق الأرض. والجسد هو البدن، من فعل تجسد. يبدو أن ابن منظور في الدلالة اللغوية العربية يميل إلى ربط الجسد بالجثة والبدن ويحدده بشكل مادي. أما في الدلالة اللغوية الفرنسية نجد كلمة جسد le corps هي الأخرى تركز على معنى الجسم والبدن والجثمان، “مادة مقابلة الروح” ونفس المدلول أيضا نجده حاضرا في القاموس الإنجليزي، رغم وجود اختلاف بسيط، فكلمة جسد body، تعني “كمحدد مادي فيزيائي للإنسان أو للحيوان، ويقال الجسد البشري: the human body” .

مقالات مرتبطة

إذن، يمكن القول بهذا الصدد، أن الجسد انطلاقا من هذه المدلولات اللغوية، يعبر عن الجزء المادي في الكائن الحي، أي عن مجموعة من الأعضاء البشرية (أنف، عين، أذن، أقدام، يد…)، وذلك في مقابل العقل والروح. إذ إن هذه الأعضاء الجسدية يتم ممارستها واستحضارها أثناء أداء الطقوس والشعائر الدينية على نحو معلن. ففعل الصلاة مثلا في مختلف الديانات هو استحضار للجسد وفق منظومة دينية رمزية واعتقادية تؤطر وعي الفرد المتدين. فحركات الجسد وأدواره وتقنياته المجسدة تأخذ مساحتها في الفعل التعبدي لدى الأفراد المتدينين. هذا ما يجعل أمر التساؤل السوسيولوجي عن صور الجسد وكيفية تأثيره على الممارسات الدينية والمنزلة الاجتماعية بين الناس مسألة هامة في إدراك المعاني الخفية المرتبطة بالجسد التي ينبغي الكشف عنها. فالجسد هو وسيلة من وسائل فهم العالم المحيط.

الجسد عبر النصوص الدينية
في البدء، ينبغي الفصل بين جانبين حتى تسهل عملية إدراك الظاهرة الجسدية، الجانب الأول مرتبط بحضور الجسد في التشريع الاسلامي الذي يتجلى عبر القرآن وسنة الرسول ﷺ، والجانب الثاني مرتبط بالخطاب الفقهي الذي نسج عبر تفاسيره واجتهاداته ثقافة وقواعد لتنظيم الجسد وممارساته.

إن القرآن الكريم بآياته الكريمة والحكيمة، كله دعوة إلى التدبر والتأمل والنظر العقلي في الموجودات، حيث يدعو الله عز وجل الإنسان وهو يسعى في الأرض، أن يتأمل في ملكوته وسر خلقه ورحابة وجوده، “فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم.” والجسد في هذا المقام هو موجود قابل لكي يفهم ويدرك من جوانب فضيلته ومكانته وحضوره وممارسته في حياة المتدين المسلم. وهكذا نجد القرآن الكريم يولي أهمية لجسد الإنسان في دنياه وسعيه المستمر لاكتشاف العالم، إذ نجد ورود عبارة “جسد” في القرآن الكريم في أربعة مواطن هي:

-{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8] -{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34] -{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ } [الأعراف: 148] -{فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [طه: 88]

من خلال هذه الآيات الدينية الكريمة، يستشف أن للجسد بُعد قيمي ورمزي وجوهري، فهو جسد له رائحة وثقل وخشونة ولون ورخاوة وصلابة. جسد يصبح كمجال قائم بذاته يجعل المتدين المسلم يعي به من حيث أدواره وحركاته وقيمته، وليس اعتباره كوصمة عار أو دنس يلحق روح المسلم. إذ نجد في هذا السياق أن مفهوم طهارة الجسد ترد نحو 12 مرة في القرآن بينما لا يذكر مفهوم النجاسة إلا مرة واحدة. وهذا ما يؤكد بكل جلاء، أن النص الديني القرآني يعلي من قيمة الجسد وحضوره المثيل في حياة المسلم. فحالة الجسد تعتبر مقياسا اجتماعيا لمدى التدين والوضع الاجتماعي وآداب المرء وأخلاقه وسمعته في المجتمع.

العلاقة بالجسد
يستعمل مفهوم “العلاقة مع الجسد” للدلالة على ترابط الذات بالجسد والعناية التي يؤسسها الفرد بجسده. كما يدل هذا المفهوم على جملة التمثلات والتصورات والمواقف التي يستحضرها الأفراد المتدينون حول الجسد وحضوره وممارسته. فهناك ثقافة محددة حول الجسد تؤطر سلوكات الجسدية للفرد. وعلى إثرها ينسج نظرته للعالم وتعامله مع جسده وجسد الآخرين.

إن العلاقة بالجسد تعرف حضورا واسعا في الممارسة الدينية للأفراد المتدينين، ووفقا لتحليل عالم الأنثروبولوجيا “غوفمان”، فإن للجسد تعبيرات وإشارات ترتبط “باللباس، والحركة، ومستوى الصوت، والإيماءات الجسمية، من قبيل التلويح والتحية، وملامح الوجه والتعبيرات العاطفية العامة.” فكل هذه المحددات تحضر بشكل واضح أثناء قيام الفرد بواجب ديني معين أو استحضاره لفكرة أو قيمة دينية محددة. وهذا ما يجعل القول إن ممارسة الطقوس الدينية، مرتبطة أشد الارتباط بالتعبير الجسدي، مثال ذلك أن الجسد يجب أن يكون طاهرا (الوضوء والغسل) لإجراء طقس ديني شعائري. وأكثر من ذلك، تكون العلاقة بالجسد ذات صبغة مقدسة يميل الفرد إلى تفضيلها وقبولها، كحضور الجسد عبر لباس الإحرام في الحج، وأثناء طقس الرجم إذ يقوم الفرد المتدين بتعبيرات جسدية تدينية يضفي عليها طابعا من التقديس والطهارة.

في الكثير من الآيات الكريمة التي تتحدث عن الجسد من خلال أعضائه، تبرهن بدورها عن وحدانية الخالق وكمال خلق الكون، وهذا ما وضحه الباحث في الشؤون الدينية سامي الرياحي، إذ يعتبر أن الخطاب القرآني لم يحنط الجسد في جملة من القواعد الجاهزة، بل “منح الجسد باعتباره علامة لغوية في نسيج نصه دلالات أخرى جوهرية، فلا هو مكمن الدنس والشهوات والعنف بالضرورة، بل علامة الجمال والتناسق الكوني.”

ومن هنا نخلص إلى تأكيد أهمية العناية بالجسد، والإعلاء من شأنه حتى يكتمل دوره مع دور الروح والعقل، فالخطاب القرآني خطاب حكيم يعلي من قيمة الجسد، وهذا ما نجده حاضرا في الآية الكريمة: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64]، [التغابن: 3].

استنتاج
يبقى موضوع الجسد، ذو أهمية قصوى في سياق تشكيل معرفة قائمة بالفرد داخل المجتمع، والوقوف على الأبعاد والمحددات الجوهرية لوظيفة الجسد. ويمكن القول إن دراسة الظاهرة الجسدية تحتاج لدراسات معمقة وتحليلات واسعة، لأن موضوع الجسد يسبب نوعا من الحساسية المعرفية في مقاربته لكونه يبقى محاصرا بأعراف وقوانين جعلت منه عنصر نقص، فارضة عليه حماية مشددة من طرف المجتمع وموضوع كل الانتقادات والمراقبة والإكراهات.